الإقليم بعيونهم

2016 01 22
2016 01 22

99999999999999بدا لافتا في الآونة الأخيرة دخول منطقة المشرق العربي في أتون صراعات داخلية وإقليمية ربما ستعصف بما تبقى من إيمان المواطنين في بعض الدول بقيمة الدولة ومؤسساتها، فلم تعد الدولة كما رآها توماس هوبز في نظريته عن العقد الاجتماعي أي ذلك الكيان الذي يقدم الحماية للأفراد مقابل إذعانهم للقانون وإنما تم اختطافها من قبل الطوائف وأمراء الحروب وأصبحت بعبعا يخيف الكثير من المواطنين، ولا يمكن للمراقب إلا أن يلاحظ دور إيران في تقويض الأمن في عدد من الدول العربية، وزاد من الطين بلة التوتر الشديد في علاقات السعودية مع إيران ومحاولة الرياض خلق توازن قوى جديدة في الإقليم لا يسمح لإيران بالهيمنة والاستقواء والتنمر.

الإسرائيليون بشكل عام ينظرون إلى ما يجري في المنطقة من تطورات دراماتيكية بشكل مختلف، فهذه تطورات تبعث على الراحة في إسرائيل التي شكل لها الربيع العربي وتداعياته فرصة لالتقاط الأنفاس والهروب من عين العاصفة. وهناك بعض الدوائر الإسرائيلية تعتقد بأن ثمة فرصة تلوح في الأفق لإعادة رسم علاقة تل أبيب بعواصم هامة في المنطقة وبشكل يتناغم مع الأهداف النهائية للمشروع الصهيوني.

ويلاحظ الإسرائيليون أن تركيا هي أول الدول التي بدأت باستدارة خجولة في علاقتها مع إسرائيل، فأردوغان الذي قاد حملة علاقات عامة كبيرة لشيطنة إسرائيل وحكومتها اليمينية المتشددة بسبب سياساتها العنصرية في الحصار على غزة بدأ يعيد النظر بالعلاقة مع تل أبيب، فتركيا هي بحاجة إلى علاقات من نوع مختلف وبخاصة بعد حادثة إسقاط طائرة السوخوي، وهنا تشكل استدارة تركيا نحو تل أبيب إن قدر لها الاكتمال مفاجأة سارة للإسرائيليين الذي يفهمون جيدا أن أي علاقات جديدة مع أنقرة يتعين أن تكون في إطار المصالح المتبادلة.

من ناحية أخرى، ترتاح إسرائيل لقدرة النظام المصري بقيادة السيسي على البقاء والصمود، وهي ترى بمصر السيسي خير خلف لنظام مبارك لأن مصر بسياستها الحالية تشكل غطاء لإسرائيل التي بدورها تسعى لمساعدة السيسي في أي محفل دولي ممكن. فمصر السيسي تشارك إسرائيل في الحصار على غزة وهو أمر يوظفه الإسرائيليون في الخارج على اعتبار أن حماس تستحق هذه المعاملة.

ورغم انتفاضة القدس التي تقلق مضاجع الصهاينة باعتبارها تحديا أمنيا، فهي مازالت مرتاحة لسيطرة العقل الفصائلي عند الطرف الفلسطيني، فعباس وفتح يخشيان من تداعيات انهيار السلطة الفلسطينية وهو أمر بدأت إسرائيل تستخدمه كسلاح للي ذراع عباس وحثه على رفع مستوى التنسيق الأمني مع إسرائيل. وبدوره يتمسك عباس بالسلطة باعتبارها المنجز الوطني الذي لا ينبغي التخلي عنه هكذا وبسهولة. فلا عباس ولا فتح يمكن لهما موضوعيا تبني المقاومة الشعبية لاعتبارات سياسية ودولية وإقليمية معروفة.

بالمقابل يبدو أن حماس التي ترفع من المقاومة شعارا في وقت لا تمارس فيه فعليا المقاومة راضية عن استمرار حكمها لغزة رغم الحصار على اعتبار أن ذلك أيضا إنجازا لإستراتيجية المقاومة، ونظرة سريعة إلى أحداث انتفاضة القدس تظهر بوضوح أن حماس بعيدة كل البعد عنها وهي تكتفي بالدفاع عن نفسها في غزة والحفاظ على مكتسباتها انتظارا لمصالحة تل أبيب مع أنقرة لعل أردوغان يتمكن من رفع الحصار.

في خضم ذلك لا تستعجل إسرائيل التقدم بأي حل، فهذا ايتمار رابينوفيتش في كتابه المنشور باللغة العبرية والذي يحمل عنوان ‘انحسار الأفق’ يرى بأن هناك تداعيات كبيرة لما يجري وأهمها أنه لا يمكن الاطمئنان على التنسيق الأمني مع القاهرة وعمان ورام الله، وينصح بأن على إسرائيل التركيز على إدارة الصراع بدلا من حله على أمل أن يتحسن الإقليم ويصبح العرب أكبر ميلا للسلام مع إسرائيل.

باختصار شديد، مازالت إسرائيل ترى بما يجري في المشرق العربي كفرصة إستراتيجية لتعزيز وجودها وتسمين مستوطناتها، ورغم التعبئة المعنوية والتحشيد الإعلامي إلا أن قراءة الإسرائيليين الدقيقة لواقعنا لا يقودهم إلى النتيجة الصحيحة، فاقتراض أن حالة التفكيك التي تجري وانشغال القوى الرئيسية في العالم العربي بمشاكلها الداخلية أو الإقليمية لا يعني أن توسع إسرائيل مقبول. فاستخفاف إسرائيل غير المسبوق بحق الفلسطينيين ليس وصفة سلام وهو أمر أكد عليه يوسي بيلين في المؤتمر السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي قبل بضعة أيام، غير أن أغلب المداخلات في هذا المؤتمر التي اتخذت طابعا سياسيا وأحيانا سجاليا لا تخلو من التأكيد أن هناك فرصة لإسرائيل لفرض أجنداتها في العلاقة مع العواصم الرئيسية في المنطقة.

د. حسن البراري