الديموقراطية المعكوسة والبرلمان وهاني الملقي

2016 09 23
2016 09 23

تنزيل (1)في أواخر العام 2012، و قبيل الانتخابات النيابية، عُيّن الدكتور عبدالله النسور، رئيسا للوزراء. وقد أجريت انتخابات 2012في ظل حكومته، وأعاد تشكيلها، وحصل على ثقة مجلس النواب الجديد، واستمر في الحكم لكامل الفترة البرلمانية.

وقبيل انتخابات 2016، جرى تعيين الدكتور هاني الملقي ، وتمت الانتخابات في ظل حكومته.. فهل تتكرر الحكاية؟

هذا التقليد السياسي بتعيين رئيس الوزراء الدائم قبل الانتخابات، مخالف لكل تقاليد الأنظمة البرلمانية الديموقراطية في العالم. انه ـ كما يقال ـ يضع العربة أمام الحصان. فالمفروض أن الانتخابات هي التي تأتي بالرئيس، وليس العكس.

من بين العديد من الأسباب لتراجع الاهتمام بالانتخابات والحياة البرلمانية، يظهر سبب وجيه لا تخطئه الأعين هو الشعور العام بأن الانتخابات بلا معنى سياسي طالما أن الحكومة التي ينبغي ـ دستوريا وسياسيا ـ أن تعكس المشهد البرلماني، مقررة مسبقا، وبغض النظر عن نتيجة الانتخابات.

هذه الآلية التي يمكن تسميتها بالديموقراطية المقلوبة أو العكسية، تمشي لأن معظم النواب المنتخبين ليسوا مسيسين، ويأتي عدد كبير منهم من مواقع مهمشة. وهو ما يجعل المجلس في حالة عجز عن التمسك بالحق الدستوري للمجلس النيابي في تكوين حالة سياسية يمكنها أن تأتي برئيس وزراء يعكس التوجهات التي قررتها صناديق الاقتراع. هذا وحين يتدرب النواب الجدد على الجو السياسي، ويتحررون من وهج السلطة، يكون معظمهم قد أقام ارتباطاته، كذلك، لم يجر العمل في المجالس النيابية الأردنية، وفق تقليد سحب الثقة.

حكومة السيد سمير الرفاعي الثانية العام 2010، كانت في الحكم قبل الانتخابات، ومنحها أعضاء مجلس النواب الجديد، ثقة عالية جدا، لكنها لم تستطع الاستمرار سوى شهرين، فقد داهمها الحراك الشعبي، أما حكومة النسور، فقد استمرت لأنها جاءت على أنقاض الحراك في ظروف تصاعد المخاطر الإقليمية وضياع البوصلة. كما أن النسور ـ والحق يقال ـ أظهر من القدرة السياسية والمهارة وضبط الأعصاب، ما أعطاه فرصة البقاء، من دون الاصطدام بجدران قاتلة.

واقعيا، يعني ذلك أن الحكومات مرهونة برضى المجتمع السياسي لا بثقة المجلس النيابي، وأن شخصية الرئيس تلعب دورا في امتصاص الصدمات. الظروف في العام 2016 تغيرت؛ فعلى رغم استمرار القتال في سوريا والعراق، إلا أن وجهة الأحداث أصبحت معروفة ومحسومة، في إطار الصراع بين القوتين الأعظم، روسيا وأميركا. وهو ما يؤذن ـ رغم التعثرات ـ بحصول تسويات إقليمية سوف تشمل المنطقة بأسرها. وسيكون لتلك التسويات أصداء وتأثيرات داخل الأردن، وتتعلق بدوره ومستقبله. وهو ما يجعل البلاد بحاجة ماسة إلى حكومة ذات وزن سياسي وتجربة و مدعومة بعصبية اجتماعية تمكنها من الحكم ورئيس يتمتع بالمهارة وبرودة الأعصاب.

الدكتور هاني الملقي ـ مع احترامنا لشخصه ـ لم يبرهن ، في جميع مناصبه السابقة ـ على موهبة قيادية. وهذا لا يحط من قدره، فالناس قدرات ومواهب. النقص الأساسي في شخصية الملقي أنه لا يتمتع بسعة الأفق السياسي وغريزة إدراك التفاعل الكيميائي الداخلي والإقليمي والدولي. ويزيد الطين بلة أنه انفعالي ولا يستطيع العمل تحت الضغوط. وهو ، بالتالي، منجرف نحو التورط في معارك يمكن تجنبها في حال التفكير خارج الانفعال وتوزين الضغوط الخ والمشكلة أن انفاعلية رئيس الوزراء تنعكس على أداء الحكومة وصورة الدولة.

لعل جلالة الملك ـ حفظه الله ـ هو أكثر مَن يشعر الآن بأن تكليف الملقي ليس سوى عبء، بل لعل جلالته يضيق الآن ذرعا بفكرة أنه سيكون مضطرا لإنقاذ رئيس وزرائه ومساعدته وحمايته ( من الآخرين ومن نفسه) بدلا من أن يكون عونا للعرش. ومن المتوقع أن جلالة الملك، يعيد الآن دراسة الموقف.

على البرلمان الجديد أن يساعد الدولة في تلافي ورطة رئاسة الملقي، بالتشديد على حق البرلمان الديموقراطي في تسمية رئيس جديد.

ومن الخير للبرلمانيين الجدد، في كل الأحوال، المراهنة على الملك والشعب بدلا من المراهنة على رئيس وزراء ربما يحصل على الثقة البرلمانية اليوم، لكنه معرض، ابتداء من اليوم التالي، لمصاعب الحكومة غير المستقرة في مواجهة ضغوط متصاعدة.

العميد المتقاعد سامي المجالي