«الرجل المريض» في العصر الرقمي!

2014 06 22
2014 06 22

59أجيال عربية عديدة، كانت تحلم أن ترى في مرحلة ما بعد «الاستقلالات» تجربة وحدوية ناجحة، لكن كل شيء يتهاوى، حتى الدولة القطرية باتت مهددة بالتشطير، ومنذ نحو عشرة أيام بعد أحداث العراق الأخيرة، أصبح الحديث عن التقسيم، يتصدر اهتمامات الناس، وما يكتب ويقال عبر الصحافة ووسائل الاعلام والمنابر المختلفة! بل هناك دعوات متزايدة لإعادة رسم خريطة العالم العربي، «الرجل المريض» في العصر الرقمي!

في بعض تفسيرات ما يجري، قال البعض أن ما يسمى «الربيع العربي» هو ترجمة عملية لنظرية «الفوضى الخلاقة» التي طرحتها كونداليزا رايس، وهناك من يعتقد أن «داعش» التي تتصدر المشهد في العراق وسوريا،هي صنيعة ايران والنظام السوري لاستخدامها «فزاعة» لوصف كل ما يقومان به بأنه «مكافحة للارهاب»، وهذه وصفة مفضلة في الغرب! وعمليا كانت الاحداث الأخيرة أخبارا سعيدة للنظام السوري،ومكسبا سياسيا وطائفيا للنظام الايراني، حيث وجدت ذريعة جديدة للتدخل في شؤون العراق، وقامت بتجييش طائفي بحجة حماية المقدسات الشيعية في العراق !

ما يلفتني، منذ بداية الألفية الثالثة، فشل الساسة وأجهزة الاستخبارات العالمية ومراكز الابحاث، والمحللين والمراقبين، في التنبؤ واستشراف ما سيحدث من أحداث ومتغيرات، بل غالبا ما كانت الأحداث تأتي مفأجاة صادمة،كما حدث في هجمات 11 سبتمبر، ولم يكن أحد يتوقع أن تسقط بغداد بيد الغزاة عام 2003 بتللك السرعة والسهولة! وهل كان أحد يعتقد أن الادارة الاميركية وأجهزتها الاستخبارية وكل مؤسساتها البحثية بهذا الغباء، لكي يغيب عن تفكيرها أن ايران ستكون الرابح الوحيد من غزو العراق؟ وان «الديمقراطية المزعومة» التي جاءت بها ستنتج نظاما طائفيا، يقصي مكونا رئيسا هم العرب السنة !

ولم يخطر ببال أحد أن يبدأ «الربيع العربي» من تونس! وكان نظام مبارك يسخر من التكهنات، باحتمال انتقال عدوى «التونسة» الى مصر،! وهكذا كان يقول نظام القذافي في ليبيا، ونظام علي صالح في اليمن، ونظام الأسد في سوريا، لكن المأساة أن نتائج تلك الثورات تبدو كارثية حتى اليوم في تللك البلدان! باستثناء تونس التي تبدو متماسكة !

في الصحافة الغربية تركز غالبية التعليقات والتحليلات، على أن تقسيم المنطقة هو الحل، كما عبر عن ذلك «ديفيد إغناتيوس» أحد أشهر المعلقين في صحيفة واشنطن بوست قبل أيام، في مقال خلص فيه أن الشرق الاوسط، بحاجة الى مؤتمر دولي، يبحث ترتيبه من جديد بعد فشل «اتفاق سيكس بيكو- 1916»و» ترتيبات مؤتمر فرساي- 1919»، والغزو الاميركي للعراق عام 2003»!

وفي واقع الحال العراق بعد الاحداث الاخيرة، مقسم الى ثلاث دويلات، «سنية» (شمال -غرب)، و«كردية (شمال – شرق) و«شيعية موالية لايران في الجنوب»، أما سوريا فهي مقسمة وفق خطوط طائفية عرقية أيضا، بممر يمتد من دمشق الى اللاذقية على البحر المتوسط تحت سيطرة النظام، ويعيش الدروز والأكراد في ما يشبه الكانتونات الصغيرة، ومعظم البلاد يسيطر عليها مقاتلون من الغالبية السنية..، وتعاني عديد البلدان العربية الأخرى من خطر عدم الاستقرار والتقسيم،مثل ليبيا، ولبنان، ومصر، والنيران عندما تشتعل لا تعرف الحدود، خاصة اذا انفجر صراع طائفي !

وأخطر ما في الأمر أن يصل أصحاب الشأن أنفسهم الى نتيجة، أن تقسيم العراق هو «الحل الأمثل»، كما قال علي حاتم السليمان رئيس مجلس ثوار العشائر و«أمير عشائر الدليم»، مؤكدا أن السنّة لن يشاركوا مرة أخرى في حكومة المركز.

حسب ما نقلت عنه صحيفة الشرق الاوسط! وهناك عديد الدعوات بهذا المعنى صدرت عن شخصيات سنية تطالب بعقد مؤتمر دولي بشأن العراق، والبعض يرى الحل بتقسيم البلاد وآخرون يدعون لبناء نظام غير طائفي! لكن كما كانت الدول الاستعمارية القديمة هي سبب مآسي العرب، فان اميركا تتحمل مسؤولية رئيسية عن الكارثة الكبرى التي تواجه الامة العربية اليوم، فهي راعي اسرائيل، وصانعة الارهاب «القاعدة – نموذجا»، وهي من احتل العراق ودمره وأسس خريطة التقسيم فيه.. الخ، وذلك لا يعفي أهل الدار من المسؤولية..

الرأي