الرزاز : كيف نوفق بين هدفين

2016 05 18
2016 05 20

تنزيل (6)إصطياد عصفورين بحجر واحد فكرة جميلة ولكنها صعبة المنال، وفي الغالب ما تؤدي الى فرار العصفورين معا! هذا في رأيي ما يحاول مشروع قانون صندوق الاستثمار الاردني تحقيقه. فهو يسعى الى هدفين مهمين: أولهما جذب إستثمارات كبيرة ومحددة من المملكة العربية السعودية تم التباحث حولها مؤخرا، وثانيهما تأسيس صندوق استثمار وطني يستقطب الاستثمارات العربية والأجنبية لتنفيذ مشاريع تنموية تحدث فرقا في حياة الأردنيين إستجابة للتوجيهات الملكية السامية في إفتتاح الدورة البرلمانية في شهر 11- 2015. وقد يبدو التوفيق بين الهدفين في قانون واحد ممكنا لأول وهلة، ولكن قراءة سريعة لمشروع القانون تُظهر الأشكاليات التشريعية والمؤسسية والتنفيذية التي سوف تضعف من فرص تحقيق كل منهما.

فالهدف الأول المتعلق بإستقطاب الاستثمارات السعودية يعكس العلاقات الثنائية العميقة والمصالح المشتركة التي تربط البلدين، وخصوصا في مجال مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية والعابرة لحدود البلدين مثل شبكة السكك الحديدية الوطنية، ومشروع الربط الكهربائي مع المملكة العربية السعودية، ومشروع أنبوب نقل النفط الخام والمشتقات النفطية الى موقع مصفاة البترول الاردنية. كافة هذه المشاريع استراتيجية وتخص البلدان الشقيقان ويسميها مشروع القانون بالأسم. كما يسمى المشروع أيضا مشروع البنية التحتية في مدينة خادم الحرمين الشريفين والتي كانت قد بدأت بمنحة سخية من المملكة العربية والسعودية ولم تكتمل بعد. لكافة هذه المشاريع خصوصيتها وضرورة مشاركة أردنية- سعودية رسمية لضمان نجاحها. ولتأطير ومأسسة العمل في هذه المشاريع المكلفة والطويلة فمن المنطق إصدار قانون خاص لصندوق ينظم العلاقة بين الطرفين. ولا غبار على الطرح الحالي بأن يتولى ادارة الصندوق مجلس إدارة يرأسه رئيس الوزراء وبعضوية اربعة وزراء وثلاثة أعضاء يسميهم المجلس (المادة 5-أ).

أما الهدف الثاني المتعلق بإستقطاب الصناديق السيادية العربية والعالمية، فمتطلباته مختلفة: فالشرط الأساس لنجاحها هو ضمان الاستقلالية المالية والإدارية للصندوق بعيدا عن التدخلات السياسية المباشرة، وضمان الحد الأعلى من الشفافية وعدم المحاباة في إختيار المستثمرين والمنفذين للمشاريع، وضمان القدرة على مساءلة ومحاسبة ادارة الصندوق. وقد تطورت في السنوات الأخيرة معايير عالمية تحكم أداء الصناديق السيادية التي تقدم الإستثمارات وأيضا للصناديق الإستثمارية المتلقية لهذه الاستثمارات. وأصبح من الصعب توظيف أو تلقي الأموال المتأتية من صناديق لا تلتزم بهذه المعايير. كما انه من الصعب جذب استثمارات من هذه الصناديق السيادية لصندوق استثمار لا يلتزم بهذه المعايير. (معايير سانياجو المتوافق عليها أو Santiago Principles).

اذن الهدف الأول يتطلب تشريعا ملائما لخصوصية إستثمارات البنية التحتية العابرة للحدود السعودية الاردنية، والهدف الثاني يتطلب تشريعا لا يميز بين مستثمر وآخر وحقق أعلى درجات الحاكمية الرشيدة والشفافية. وجاء مشروع القانون محاولا التوفيق بين الهدفين، وهذا برأينا غير ممكن. والأفضل صياغة قانونين: الأول لصندوق ثنائي يراعي الخصوصية السعودية المتمثلة بالمشاريع العابرة للحدود، والآخر صندوق متعدد الشراكات لكافة المستثمرين، بما فيهم المستثمرين الأردنيين والأجانب والسعوديين وغيرهم من العرب، ومن القطاع الخاص والعام والصناديق الاستثمارية.

وفي حال الفصل بين الصندوقين، وهذا سهل وممكن من خلال فصل مواد مشروع القانون الحالي في مشروعين منفصلين، يصبح من الممكن محاكاة متطلبات كل منهما بشكل منفصل: فمن الممكن أن يكون مجلس الإدارة في الصندوق الثنائي حكوميا في غالبه (كما المشروع الحالي)، بينما يتطلب الصندوق الثاني استقلالا ماليا وإداريا فعليا. ولا داعي لتأسيس شركة مساهمة في حالة الصندوق الثنائي، بينما يتطلب الصندوق المتعدد الأطراف إنشاءه على شكل شركة مساهمة. كما انه لا داعي لتحديد المشاريع التي سيعمل فيها الصندوق المتعدد الاطراف، فالهدف منه الاستثمار في مشاريع تنموية ولا داعي لتحديدها بمواد القانون مسبقا فمنها ما نعلم به اليوم ومنها ما ستمليه الحاجة او الفرصة. كما لا يتطلب الصندوق المتعدد الأطراف إستثناءات من قانون الشركات ولا إعفاءات من الرسوم والضرائب ولا يجوز فيه محاباة مستثمر على مستثمر آخر. ومن الضروري ان تساهم هذه المشاريع المجدية في رفد خزينة الدولة بالإيرادات. والأهم للمستثمر ليس الإعفاءات وانما الاستقرار في السياسات الضريبية. والأهم من هذا وذاك، ان الصندوق متعدد الأطراف يرسل رسالة واضحة حول عدم التمييز بين مستثمر وآخر في القطاعات المفتوحة للمنافس ة، مثل توليد الطاقة، والمواصلات والنقل، والسياحة والصناعة، وغيرها من الاستثمارات الحيوية المولدة لفرص العمل.

آمل ان تسنح الأيام القادمة للسلطة التشريعية أن تنجح في إصطياد العصفورين وكل منهما بحجر مختلف. فالاردن بحاجة الى كل فرصة إستثمارية ممكنة، وبتنويع مصادرها ما أمكن، وإستدراج الشركاء الاستراتيجيين في كل القطاعات، لتعظيم فرص النمو والتصدير بإتجاة دول المنطقة والعالم.

عمر الرزاز