الغائب في ماراثون الموازنة

2016 01 15
2016 01 15

Jameel-Al-Nimriمناقشة الموازنة العامة هي في الحقيقة مناقشة لكل سياسات الدولة الداخلية. فكل ما تقوم به الحكومة وتقرره، في أي شأن، ينعكس رقما في الإنفاق أو الإيرادات؛ القرار بالتقشف أو تقليص النفقات في هذا القطاع أو ذاك، أو قبول العجز والتوسع في الاقتراض، أو الإنفاق على الخدمات أو خطط الإصلاح.

من أجل ذلك، فإن النقاش الماراثوني للموازنة الجاهزة ونحن قد دخلنا السنة المالية الحالية، لا معنى له من الزاوية العملية. وكمثال واحد على ذلك، فإنه لو قررت الحكومة تغيير رقم إيرادات ضريبة الدخل فهذا غير ممكن عمليا، إلا بتعديل قانون ضريبة الدخل لتحقيق الهدف المنشود.

وهو لن يؤتي نتائجه إلا في السنة اللاحقة على إقرار القانون.

من أجل ذلك، ركزت في كلمتي، بصورة أساسية، على تغيير آلية نقاش الموازنة، وضرورة أن يبدأ النقاش ليس بعد تقديمها من الحكومة في نهاية العام، بل منذ بداية العام؛ ملفا ملفا وقطاعا قطاعا، بالتزامن مع بحث هذه الملفات في اللجان المعنية الأخرى، لكي نقرر ما الذي نريده بالضبط، حتى تتمكن الحكومة من اتخاذ القرارات المناسبة أو إجراء التعديلات التشريعية الضرورية، لكي يصبح تطبيق الأرقام ممكنا في السنة التالية، أو ظهور نقاط الخلاف أو الالتقاء مع الحكومة لتحديد موقف في حينه من الموازنة.

لكن حين نذهب مباشرة إلى الخطابات لطرح المطالب والتمنيات، فهذا بلا جدوى ويفتقر للمصداقية.

والمطالب غالبا ما تكون على طرفي نقيض من حيث انعكاساتها على الأرقام؛ إذ يمكن أن نطلب تقليص عجز الموازنة، وهو ما يعني تقليص الإنفاق؛ بينما في الوقت نفسه نطلب زيادة الرواتب والأجور وتوسيع الخدمات والبنية التحتية في مختلف المناطق والقطاعات.

كل ذلك يفترض، بالأصل، أن يكون موضوع نقاشات جديّة في اللجان، لنوضح كيف يمكن ان نفعل هذا وذاك في الوقت نفسه، أين وكيف نقلص أو نتوسع في الإنفاق، وأين وكيف نزيد الإيرادات لتحقق التوازن المنشود.

كنت قد تحدثت بذلك في نقاش الموازنة السابقة والتي قبلها، وما يزال نقاش الموازنات يتم بالطريقة نفسها. والمشكلة ليست عند الحكومة فقط، بل لدى مجلس النواب أيضا.

والحال أن الإصلاح والتحديث والارتقاء بالعمل العام في بلدنا، عملية مضنية تشمل إقناع الناس وتغيير الثقافة والعادات ومراكمة تغييرات صغيرة ومتزامنة في عدة مجالات، لإحداث الأثر المطلوب وهي تشبه الحفر في الصخر بإبرة.

مع ذلك، وما دمنا في الوضع الحالي، فليس ماراثون الموازنة والخطابات التي يحضّرها النواب ويلقونها بجهد استثنائي، بالأمر السيئ؛ فهذا يمثل منبرا استثنائيا للتعبير وتثقيف الناس بفضاء الحرية المتاح للتعبير على الأقل، وهو ميدان لطرح كل شيء يتصل بالحياة العامّة، وتعبير عن حيوية وحرية وسيادة للمواطن في بلده، حتى لو جاء الأمر على طريقة قل ما تريد وأنا أفعل ما أريد.

أقول هذا في واقع الحال الراهن، وإلى أن نطور مؤسسية ديمقراطية فعّالة في العمل العام.

ورغم امتعاضي من الإنشاء العاطفي الزائد والاستعراض الشعبوي الذي يصل حدّ الإساءة الشخصية البليغة، فإنني أمتعض أكثر من التعليقات التي تقلل من شأن مجلس النواب وتسخر من ممثلي الشعب وتهاجمهم بالجملة فالنيابة ركن أساس في الديمقراطية، واذا كان هذا مستوى النيابة حتى الآن، فاللوم علينا جميعا. وانتقاد الناس للنواب هو أيضا جزء من الديمقراطية، لكن لا نريد لجانب خفي أو أجندة مضمرة أن توصلنا إلى الكفر بالنيابة وبالديمقراطية نفسها نريد انتقادا لتطوير النيابة وتطوير المؤسسية الديمقراطية. جميل النمري – الغد