الكلالده : الحل بالخطة ( أ ) وليس خطة رئيس السلطة

2014 10 18
2014 10 18

200x180* خطط العقبة (أ، ب، ج)

بقلم : د. مراد الكلالدة

كثرت الإضرابات العمالية في الأردن في السنوات الأخيرة، فهل هي من باب البطر أو الطفر، سؤال سنحاول الإجابة عليه في السطور التالية مسترشدين بما يحدث في ميناء حاويات العقبة الذي كتبنا عنه كثيراً فيما مضى.

يعلم الجميع بأن للأردن منفذ واحد على البحر المفتوح Open Sea من خلال خليج ضيق بنهاية مسدودة Dead End يقع على البحر الأحمر، وهو ميناء بوجهة محددة Destination وليس ميناء ترانزيت على خط ملاحي عابر، بمعنى أن الوصول اليه مكلف نسبياً. ومن المعروف بأن نقطة التماس مع البحر هو الشاطيء الذي يمثل الأرض الجافة الذي يتم من خلاله إستغلال المساحات المشاطئة للبحر للنشاطات المختلفة، وأهمها نقل البضائع والركاب لأن النقل البحري من أرخص وسائل النقل على الإطلاق بالمقارنة مع النقل البري أو الجوي أو السككي.

ولم يغفل الأردنيين عن إستغلال هذا المنفذ البحري منذ عهد الإمارة (1923-1946) فقد شيد أول رصيف صغير في العام 1939 لنقل المواعين، ولتوضيح الصورة، فلدينا الآن أربعة مراكز مينائية على الشريط الساحلي الذي يبلغ طوله (27) كلم وهي:

•    الميناء الرئيسي، وهو الأقرب لوسط المدينة والذي تم بيع أراضيه لشركة المعبر الإماراتية. •    ميناء الحاويات، ويقع في متوسط الشريط الساحلي. •    الميناء الصناعي الذي يقع الى الجنوب بالقرب من الحدود مع السعودية. •    الميناء الجنوبي (الجديد) وهو صغير وأقرب لمرسى يخوت منه لميناء رئيسي.

ما يهمنا هنا هو ميناء الحاويات الذي إنشيء في السبعينات من القرن العشرين بتمويل حكومي بالكامل، اي بأموال جميع الأردنيين كدافعي ضرائب من الطراز الأول حسب التصنيفات الدولية، فما دخل الشركة الأجنبية المشغّلة لميناء الحاويات بما يجري في العقبة.

للإجابة على هذا السؤال، يجب ان نذكر بأن الحكومة الأردنية ادخلت في العام 2003 شركة أي بي أم ميلير APM والتي مقرها في هولندا كشريك إستراتيجي لإدارة الميناء ضمن إتفاقية تم عقدها مع شركة تطوير العقبة المملوكة بالكامل للحكومة، وهي الذراع المرن الذي تتحرك من خلاله سلطة منطقة العقبة الإقتصادية الخاصة لتحقيق أهداف تنموية معينة. كما تم توقيع عقد تطوير مشترك لمدة (25) عام ينتهي في سنة 2031 تم فيه الإتفاق على ترتيبات معينة من أهمها قيام APM بالإستثمار لتطوير الميناء مثل زيادة طول ومساحة وأنواع الأرصفة بحيث أصبحت تضم (9) أرصفة، ثلاثة منها للحاويات، ورصيف دحرجة Ro-Ro وأربعة أرصفة ركاب.

لقد تمكنت شركة ميناء الحاويات ACT والمملوكة مناصفة من قبل شركة تطوير العقبة و APM من زيادة طول الأرصفة من (540) متر إلى (1000) متر، وما زال هناك مخطط لتوسعة إضافية بمقدار (200)  متر بإتجاه الجنوب، بعد نقل ميناء الركاب الى الميناء الجديد في الجنوب.

الحق يقال بأن هذا ما كان ليتم بدون دخول الشريك الإجنبي، لأن هذه الإستثمارات تتطلب ضخ مبالغ مالية كبيرة ليست في خزائن المالية العامة، والأهم من ذلك كله، هو الدخول ضمن الشبكة التسويقية للموانيء العالمية التي يرعاها الشريك الإستراتيجي، وهذه خطوة ذكية تسجل للإدارات المتعاقبة في سلطة العقبة الخاصة وشركة تطويرها.

صحيح أن المغانم المالية المباشرة على الأردن، لم تكن في المستوى المطلوب كون هذا الشريك يتقاسم الأرباح مناصفة مع الدولة الأردنية، ولكن الوضع المكاني للميناء لم يساعد على فرض شروط تفاوضية أحسن، فماذا بوسع الدولة أن تفعل وهي أمام إتفاقية نافذة بقي على إنتهائها (17) عام، فأصبحت عالقة بين مطرقة الشروط الجزائية وسندان المطالب العمالية.

مخطي من يظن بأنه بإمكان الدولة أن تلغي الإتفاقية مع APM وليس من مصلحتنا فعل ذلك لو إستطعنا، لأنه وكما ذكرنا سابقاً، هناك تجمعات عملاقة (كارتيلات) لا يمكن إلا إرضائها، وإلا لأصبح ميناء العقبة، مرفأ قوارب زجاجية ولإمتنعت الخطوط الملاحية من الوصول إليه، والبدائل في السعودية والموانيء المصرية والإسرائيلية موجودة.

نعم، إن الفضل في تفعيل دور ميناء العقبة يعود الى السياسة الذكية التي يلعبها الأردن بإحتراف للموازنة بين المصالح الوطنية وسطوة شركات الملاحة العملاقة، وقد يتسائل البعض، أين إذن دور العمالة الأردنية في ظل هذه المعدلات المعقدة.

إن الميناء النشط، يشغل بشكل مباشر عمالة وطنية ويحرك مجموعة واسعة من النشاطات المساندة كأسطول نقل البضائع بالشاحنات ويدر على الخزينة رسوم وضرائب مجدية، فما السبب في حالة عدم الرضى التي تسود بين العاملين في ميناء الحاويات، على الرغم من إرتفاع متوسط رواتبهم وإمتيازاتهم بالمقارنة مع الوظائف الأخرى.

إن الغالبية العظمى للموظفين في شركة ميناء الحاويات أردنيين ويشكلون ما نسبته 96% وهي نسبة مرتفعة جداً بالمقارنة مع نسب العمالة التي توفرها الإستثمارات التي يديرها شركاء أجانب، فهي في المتوسط في المناطق الصناعية حوالي 50% وتقل تلك النسبة في القطاع الزراعي الذي يشغل العمالة الوافدة، ولا تزيد نسبتها في قطاع الإنشاءات عن 30% في أحسن تقدير.

نعم، هناك غصة في حلوق عمال الموانيء عندما يشاهدون بعض الممارسات اللامسؤولة من قبل طبقة كبار المدراء، ويزداد الحقد عندما يسمعون عن بعض صفقات الفساد والتنفيع التي تكثر في المنافذ الحدودية عموماً، ولكن هذا كله يتطلب منهم التفكير ملياً في المكاسب التي تحققت على يد كثير من السياسات الذكية التي أكسبت ميناء الحاويات مكانة محترمة في ظل منافسة (كسر عظم) يشهدها قطاع النقل بشكل عام.

نعم، انتم محقين في التمسك بمطلب تنفيذ ما اتفق عليه مع إدارة الشركة، لأن في ذلك تجذير للعمل النقابي الشريف الذي تمارسونه وفقاً للقوانين والأنظمة النافذه، ولكننا في الوقت نفسه ندعوكم لبعض المرونة فيما يتعلق بأية نضالات مطلبية قادمة.

وعلى قدر ما انصفنا الإدارات المتعاقبة لسلطة العقبة الخاصة، فإننا ندعوها لتنفيذ ما اتفق علية سابقاُ مع اللجنة العمالية المشكلة من قبل الموظفين، كما ان استقدام عمالة أجنبية لتسيير العمل في الميناء، تحت ما يسمى بالخطة (ب) يحتاج الى المزيد من التقدير للمزاج الشعبي الذي لن يفوتكم بالتأكيد، لأن الأردن غير.

أنها مؤسسات وطنية بنيت بسواعد مواطنيها، وحتى لو نجحتم في كسر إرادة العمال هذه المرة، فإن الحقد الطبقي في إزدياد وسينتشر كالنار في الهشيم، لأن الأردن غير.

ما تحتاجه العقبة هو تجذير لخطة القيادة الأردنية الحكيمة والتي كانت على الدوام، خطة (أ) والتي تتمثل في التعامل مع الإنسان بإحترام لأنه أغلى ما نملك، ولسنا بحاجة لخطة رئيس سلطة العقبة الخاصة بدائل رقم (ب) وهي خطة إحلال العمالة الأردنية بعمالة أسيوية، لأن هذا سيفتح علينا ردة فعل عنيفة تحت مسمى الخطة (ج) كناية عن الجحيم الذي نجحنا في البقاء خارج دائرته منذ عقود، فمطالبات العمال ليست من باب البطر … وإنما من باب الطفر، لأن حد فقر العائلة الأردنية أصبح 800 دينار في الشهر.