باص المعاني وترام شبيب – د. مراد الكلالدة

2014 07 08
2014 07 08

200x180قد يسمح لي الصيت الشائع عن كثرة إنتقادي للحكومات أن أمرر مقالاً مدّاحاً لشخص وزيرة عاملة تزاملت معها في كلية الإدارة والتخطيط في جامعة البلقاء التطبيقية وعملنا سوية في القطاع الخاص على مشروع تأهيل محطة ركاب العقبة، فما الداعي لهذا المديح.

من المعروف أن ملف النقل العام ثقيل تحمله وزارة صغيرة الحجم قليلة الحيلة وذلك في ظل منظومة معقدة للنقل العام تتوزع بين الجهات التالية: •    وزارتين: الأشغال العامة والإسكان المسؤولة عن الطرق ووزارة النقل •    سلطة إقليمية: منطقة العقبة الإقتصادية الخاصة وأمانة عمان الكبرى •    ثلاث هيئات تنظيمية (هيئة تنظيم قطاع النقل البري، هيئة تنظيم الطيران المدني، السلطة البحرية). •    شركتي سكك حديدية (الخط الحديدي الحجازي وسكة حديد العقبة) •    ثلاث شركات طيران (مطار الملكة علياء الدولي، الاردنية للطيران، مطار الملك حسين بالعقبة) •    ثلاث سلطات بحرية (شركة تطوير العقبة، مؤسسة الموانيء، السلطة البحرية).

وبسبب سحب صلاحيات الوزارة في التخطيط والإشراف على هذا القطاع وتوزيعها على هذا الكم الهائل من الجهات، فإن الوزارة قد أصبحت مكبلة اليدين وبسلطات منقوصة. فما هي الأسباب التي أوصلتنا الى هذه الحالة.

إنها سياسة تبناها فريق من النيولبراليين الجدد كان جل همهم تفكيك القطاع العام ونقل صلاحياته الى هيئات وشركات خاصة، وفي المقابل عزز الحرس القديم مواقعه متذرعاً بالحراك الشعبي الذي طالب بالحفاظ على مؤسسات القطاع العام والعودة عن الخصخصة التي تسببت في إفقار شريحة كبيرة من الناس وإغتناء أخرى على حسابها، فهل رجحت كفة فريق على الآخر.

المراقب لوضع النقل العام في المملكة يدرك أن التجاذب ما زال في أوجه، وأصبحنا عالقين بين ممارسات يعتقد بعض المؤمنين بسياسة تحرير السوق أنها الحل لمشكلة النقل العام، وبين البيرقراطيين الداعين لتدخل الدولة في التخطيط والاشراف على النقل العام.

إن الممارسين لعلم التخطيط والإقتصاد الحضري يعرفون أنه لا مناص من دعم الدولة لقطاع النقل، وإلا ستكون الكلفة التشغيلية عالية جداً بحيث لا يمكن تحميلها للمواطن، فالنقل العام مدعوم في غالبية دول العالم، وما دامت الدولة تدعم القطاع، فلها الحق في تنظيمه من خلال وزارة للنقل، وإلا فلنذهب الى إلغاء الوزراة وليتحمل القطاع الخاص كلف البنية التحتية والدعم. وإن كان القرار سيكون لصالح الإبقاء على الوزارة بصلاحيات غير منقوصة، فعلى الدولة أن تضع ثقلها خلف القطاع الذي يساهم بحوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقل مساهمة الحكومه في إستثماراته عن 1%.

هذا الإختلال في التوازن خطير، ولا مجال لنشر مزيد من الأرقام التي أطلعت عليها مؤخراً، لأن الحالة لم يعد ممكننا السكوت عليها، وادعوا بشده الى دعم توجهات وزارة النقل وجهود معالي الوزيرة المتخصصة لتعديل القانون المؤقت رقم 33 لسنة 2010 قانون النقل العام للركاب بتحديد الصلاحيات وإزالة التداخل فيما بينها، وعليه، ما هو الموقف من الباص البطيء الذي طال إنتظاره.

لقد كانت أولى محاولات أمانة عمّان الكبرى للتصدي لمشكلة النقل العام في العاصمة التي يقطنها ثلث سكان المملكة من خلال الأمين السابق المهندس عمر المعاني، والذي عالج المشكلة من خلال المخطط الشمولي لمدينة عمّان وهو فكر نيّر يستحق الثناء عليه (على الرغم من تحفظنا على الإستراتيجية العمرانية المعتمدة على التكثيف العمراني بما يزيد مشكلة المرور ويعقدها في ظل طرق ضيقة بدون أكتاف خدمات) ولكن التلكوء في تنفيذ المشروع وتغير الأشخاص الذين جلسوا في مقعد الأمين قد وضع البلد في وضع لا تحسد عليه، فتجاسر البعض على إعاقة المخطط الشمولي وعماده مخطط النقل العام الذي يعتبر المحور الاساسي للحركة بين الفراغات والابنية، وأنشغلت دائرة الطرق بحل مشاكل التقاطعات المرورية في ظل التدفق الهائل للمركبات من والى العاصمة لإفتقار الاردن لإستراتيجية عمرانية وطنية تعمل على إحداث التوازن الإقليمي بين المناطق.

الان وبعد مرور عدة سنوات على تجميد المشروع، فإن المعطيات المرورية قد إختلفت والتي ستجعل من تنفيذ المشروع على اساس المعطيات القديمة ضرباً من الجنون، كمن يُلبِس فتاة عمرها 16 عاماً نفس الحذاء الذي كانت ترتديه عندما كان عمرها  تسع سنوات.

أني أدعوا لتفعيل قرار حكومة معروف البخيت بتجميد العمل بمشروع الباص السريع، وتحويل المخصصات لمشروع الترام بين الزرقاء وعمان، ليشكل الانطلاقة لبناء مشروع وطني للسكك الحديدية يخدم التجمعات السكنية والفعاليات الاقتصادية المختلفة على غرار ما هو متبع في سائر دول العالم، فالدولة بدون سكة حديد هي دولة كسيحة.

إن ما تدعو اليه معالي وزرة النقل، الدكتورة لينا شبيب ربما يكون بداية الحل لمشكلة النقل العام في العاصمة عمّان وفي غيرها من المدن، وذلك من خلال إستغلال سكة الحديد القائمة بين عمان والزرقاء وتشغيل قطار خفيف (ترام) بين أكثر المحاور المرورية إزدحاماً وهذه الشبكة قابلة للتوسعة على مسار خط الباص السريع وربما يحتاج الى عرض أصغر وعدد أقل من التعديلات في التقاطعات المرورية، كما انها ضرورية للتوجه جنوباً بإتجاه مطار الملكة علياء الدولي مُشكّلة محور تنمية شمال-جنوب.

ومن المؤكد بأن هذا التوجه سيلحق الضرر ببعض المتنفذين في المراحل الأولى من التطبيق، حيث تشير الأرقام على المستوى الوطني الى وجود 5548 باص 16138 تكسي و 559 سرفيس بين المدن، أما في العاصمة فيوجد 11000 تكسي و 760 باص كبير، ويشكل المجموع التقريبي للمشتغلين على هذه الخطوط حوالي 34000 سائق يعيلون ما يقارب ربع مليون مواطن.

نعم إنها معضلة وطنية كبيرة، ولكن الإبقاء عليها دون حلول علمية وفقاً لإستراتيجية وطنية للنقل العام سيفاقم المشكلة، وسيعيق التنمية بما يجعلنا ندور في دوامه نفقد فيها التوازن وتسود الفوضى لا سمح الله.

إن تنفيذ مشروع وطني للسكة الحديد لا يعني الإستغناء عن العاملين في هذا القطاع، حيث يمكن لمالكي وسائط النقل الإندماج والمساهمة في المشاريع الجديدة، كما يمكن للسائقين العمل في القطارات، مع العلم بأن هناك حاجة للإبقاء على قرابة نصف الأعداد المشتغلة حالياً للحاجة لها للربط بين المحطات وتفرعات الطرق الموصلة لمكان العمل والسكن. ولا يجب ان نهمل التوجه بإتجاه الربط مع شبكة سكة حديد دول مجلس التعاون الخليجي، عمقنا الاستراتيجي المنشود.

إن التصدي لمشكلة النقل العام للركاب والبضائع يشكل اولوية يجب ان تضعها الحكومة في قمة سلم أهدافها، ولا يغرّنَ البعض كثرة الحراك التنفيذي والتشريعي لتعديل قوانين مؤقته بنيت على فرضيات بالية، فالإصلاح المنشود هو جوهري يحاكي أسس العملية التنموية التي ما زال هناك عدم توافق وطني حيالها مثل مشروع اللامركزية وقانون الإنتخاب والإستراتيجية العمرانية الوطنية.