بين أسواق العبيد ونبذ التعايش .. أين اضعنا البوصلة؟

2014 11 24
2014 11 24

67كتب ممدوح الروحاني قبل عدة أيام كنت أقرأ عن تاريخ الرق وأسواق العبيد في منطقتنا العربية واستذكر الاحداث والتداعيات التي أدت إلى منع واختفاء هذه الظاهرة القبيحة من مجتمعاتنا منذ نصف قرن فقط. ورغم أن مجرد تصور أن بيع البشر كان تجارة رائجة وعادة دارجة يسبب الغثيان، إلا أن أكثر ما هالني حقيقتان لا بد أن نتذكرهما لنتعلم من تاريخنا ونتجنب تكرار الأخطاء.

الحقيقة الأولى هي أن منع أسواق العبيد والنخاسة واختفاء هذه الظاهرة المخجلة وسن القوانين لحظرها في معظم أقاليم المنطقة لم تكن نتاجا داخليا لتطور فكري او أخلاقي لمجتمعاتها بل لمجموعة من الأحداث والاتفاقيات السياسية التي فرضت عليها احترام حرية الانسان ومنع العبودية للبشر، لتكون بذلك من أواخر الشعوب التي تركت هذه العادة المخجلة.

من الانصاف طبعا الإشارة إلى أن العبودية لم تكن مقتصرة على منطقة واحدة من العالم وأن معظم شعوب العالم تلطخ تاريخها بأحداث مؤلمة ومخجلة مرتبطة باستعباد البشر؛ إلا أنه من المهم أيضا أن نتذكر بأن نضوج الوعي الإنساني وتنامي القيم الأخلاقية والمساعي الجبّارة لقادة الفكر والتربية في العديد من اقطار العالم كان المحرك الرئيسي للانحسار التدريجي لهذه الظاهرة واختفائها. بينما في مناطق أخرى من العالم – ومنها شرق اوسطنا العزيز – لم تتحرك المشاعر الإنسانية في اتجاه منع هذه الممارسة بل على العكس ازدهرت تجارتها وتنوعت مصادرها، إلى أن أجبرنا العالم على أن نصحو.

فالفرمان العثماني الصادر في عام 5511 م لمنع تجارة الرقيق لم يكن إلا نتاجا لضغوط سياسية وعسكرية مارسها حلفاؤها مقابل دعمهم لها، بعد أن تحولت امبراطورية الباب العالي إلى رجل مريض يحتاج إلى عكازة الحلفاء. ورغم هذا الفرمان وسلسلة القرارات والفرامين التي تبعته، إلا أن كتب التاريخ تسرد بفخر كيف أن الناس والتجار احترفوا حيل الالتفاف حول المنع وتصف ازدهار صناعة قراصنة الرقيق؛ وكيف أن أسواق الرق استمرت في العديد من مدن وعواصم المنطقة إلى أواسط الستينات من القرن العشرين، ولم تخت ف إلا بعد سلسلة من الضغوط والاتفاقيات الدولية الجادة، فلولا هذه الضغوط لكانت بعض هذه السواق عامرة حتى اليوم.

الحقيقة الثانية الأكثر ايلاما أن تجارة الرقيق ومقاومة الجهود الحثيثة لمنعها منذ صدور الفرمان العثماني كان مدعوما وبصورة منهجية ومكثفة من قبل العديد من رجال ومؤسسات الفكر والدين والعلم والسياسة. وانه لسبب ما نسى ذلك الجيل أو بالأصح رفض أن يتعلم من الهدي المحمدي العظيم تلك القيم الأخلاقية والانسانية النبيلة التي بعث بها إلى البشر. تناسوا

بأن توحيد الخالق عز وجل يستلزم وحدة وتساوي البشر فلا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود الا بالتقوى. وتجاهلوا كيف أن تعاليم وأحكام عتق الرقاب أتت لتهذب المجتمعات ولتستأصل منها هذه العادة المسيئة لا أن تؤصلها وتحولها إلى تجارة رابحة. وأغمض الطرف عن: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار ا . وللأسف أصبح من يُعوّل عليهم في تربية العقل والروح والأخلاق من رجال التعليم والدين والفكر هم أكثر المدافعين عن بقاء الرق والمروجين لها. فارتفعت الصيحات وتوالت الخطب والرسائل، ولُ عنَ دعاة حرية الرقيق على المنابر ووصموا بالزندقة والعمالة، واعتَبَرَ المفكرون إلغاء الرق غزوا فكريا وتنازلا عن القيم والمبادئ، فاختلط الحابل بالنابل وتمادى البعض إلى درجة اعتبار حرية العبيد تعطيلا لحكم الله وشرعه، واستنكروا على الحكام مساعيهم لمنع الرق والنخاسة، ووصل الأمر بالبعض إلى حمل السلاح، وسطر لنا التاريخ أحداثا مؤلمة بسبب تقديس سفك الدماء وشحن الشباب المتحمس محدود الفكر لضرب مصالح مجتمعاتهم واوطانهم ومنع تقدمها.

ولكن ما علاقة كل ما سبق بالتعايش والتسامح في مجتمعاتنا؟ هل هناك ما يمكن أن نتعلمه من تاريخنا لتحسين مستقبلنا؟ إن منطقة الشرق الاوسط تعيش واحدة من أسوأ مراحلها في التاريخ الحديث، تفكك متسارع وتشاحن متزايد وصراعات مستعرة ودماء تسفك صباح مساء. فقدنا مهارات التعايش واحترفنا فنون الكراهية. نسينا التسامح وتشبثنا بكل ما يمكن ان يزيد التباعد. مذاهب تتصارع وأقليات تضطهد، عصبيات تشتعل وكراهيات تحرق الأخضر واليابس. انها نفس القيم الأخلاقية التي نسيناها عندما كنا نستميت دفاعا عن استعباد البشر. مرة أخرى نتجاهل القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية التي جاد بها خالق السماء، ونتناسى ما أتمه الحبيب المصطفى من مكارم الأخلاق. غفلنا بأننا خُلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف ونتآلف، وبأن التنوع والاختلاف سنة ومشيئة ربانية ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا. مرة أخرى نسى العديد ممن يفترض منهم تربية وتهذيب الأمم فكريا وروحيا من رجال الفكر والدين والتربية والسياسة واجبهم الوجداني والإنساني المقدس، وتفرغوا لشحن البشر وسَوق الناس نحو التشاحن والكراهية. فتمزقت الشعوب وتفرقت الاسر وساد التباغض والتعصب. انتقوا من التاريخ كل ما من شأنه تأليب الأحقاد وسكتوا عن كل ما يمكن أن يوحد البشر ويؤلف بين قلوبهم. واستغلت طاقات الشباب أسوأ استغلال فزج بهم وقودا في أتون الصراعات الفكرية والمذهبية والقومية. وأصبح دم ومال وعرض الإنسان أرخص ما في هذه المعادلة اللاإنسانية.

لم يشهد تاريخنا الحديث مرحلة احتجنا فيها إلى صوت العقل والضمير وإلى المخلصين من رجال الفكر والدين والتعليم والسياسة أكثر من يومنا هذا. وما من لحظة كنا أحوج فيها إلى الدعوة إلى التعايش والتسامح والتقارب بين مختلف مكونات مجتمعاتنا أكثر من هذه اللحظة. علينا أن نتذكر بأن المآذن والمعابد وأجراس الكنائس ليست لدق طبول الحرب والشقاق، بل لتهذيب الأمم وبث مكارم الأخلاق.

ستمر الأيام وستنتهي هذه الصراعات عاجلا أم آجلا وستسقط عن تعصباتنا كافة قشور التبرير الموهومة، ولن يجد كل من عمل على نشر التعصب والشقاق ومحاربة التقارب والتعايش وكل من ساهم باختياره الصمت والسكوت عن الحق – ورقة توت اخلاقية واحدة يستر بها عورته ويبرر بها فعلته. فيومها إما تغبرّ وجوهنا وتسود سيرتنا كمن دافعوا عن الاستعباد وبيع البشر من قبل، أو تستنير فتُزرع الورود في ذكرى نفوس عملت بإخلاص من أجل السير بمجتمعاتنا نحو القيم الإنسانية. فالتاريخ لا ينسى ولا يغفر.

مستشار وباحث في اقتصاديات الإعلام