تغريدة الملك: نقد ذاتي يتطلب مراجعة جادة لاداء الدولة

2016 03 28
2016 03 28
تغريدة الملك: نقد ذاتي يتطلب مراجعة جادة لاداء الدولة المهندس سمير حباشنة

(1) حين يقول جلالة الملك ( من المؤسف ان نرى العديد من المؤسسات التي ما زالت تسجل اداءً ضعيفاً في عملية التطوير والتحسين ، دون الالتفات الى مصلحة الوطن ) 

فانه القول الفصل الذي لا يجب ان تمر عليه الدولة مرور الكرام .. لأن جلالته وبكلمات معدودة لخص الحالة الوطنية من حيث الاداء المتواضع  للمؤسسات الرسمية ، والذي لا يطاول ولا يستجيب الى طموحات الملك ، او ارتقاء الممارسة الادارية الى مستوى الطموح ، والفكر المتقدم الذي يطرحه جلالته ونتوق اليه وعلى كل الاصعدة .

وفي المشهد الوطني من حيث تشخيصه ومن حيث ما يجب ان يكون عليه الحال هو واضح ، وتلخصه رؤية ملكية معلنة جليّة وواقعية ، اشرت على التطوير وعلى التنمية وعلى الاستثمار وعلى الاصلاح بشقيه السياسي والاقتصادي الاجتماعي .. ومنذ سنوات ، ومع ذلك فان اداء الحكومات في وادٍ ( ليس بذي زرع) .. اداء حكومي يقوم على تسيير الامور فقط ، دون مبادرات حقيقية ترتقي بالدولة وباقتصادها وبمسيرتها التنموية والاستثمارية اداء أضعف من أن يسعى الى ترجمة الطموحات الملكية وتوق المواطنين وتطلعاتهم .

تغريدة جلالة الملك واقعية وتنم عن معرفة دقيقة بواقع الحال ، تعبر عنها سلوكيات مؤسساتية تفصلها مسافة شاسعة عن الرؤية الملكية  بالتطوير وجذب الاستثمار واحداث التنمية والنهوض بالادارة العامة التي تعاني من البطء من اتخاذ القرار ومن بيروقراطية لا يمكن ان تكون سبيلنا في الانجاز والتطوير.

(2) كان السفير الصيني السابق قد زارنا في الجمعية الاردنية للعلوم والثقافة مودعاً بمناسبة انتهاء اعماله ، وكان قد افصح كصديق ناصح وكمحب للاردن ويحمل تقديراً عالياً للاردن وقيادته مشيداً بالعلاقات الراسخة التي بناها جلالة الملك بين الاردن والصين ، حيث قال : –

«ان لدينا ثلاثة آلاف شركة صينية كبرى تعمل في دبي وهناك 300 الف تاجر صيني يتعاملون مع دبي ولهم مكاتب فيها ، وان هؤلاء لم يسألوا الحكومة الصينية مع من يتاجرون ، لكنهم ذهبوا الى دبي : اتعلمون لماذا ؟ لان دبي تمكنت من خلق بيئة استثمارية جاذبة مشجعة لرجال الاعمال تعاملهم بسلاسة وبشفافية وبثبات نسبي للقوانين وبانجاز سريع لمتطلبات الاستثمار . واضاف ان عليكم في الاردن ان تخلقوا هذه البيئة .

والمفارقة وما أن نشر هذا التصريح فان الحكومة (الرشيدة) لم تأخذ كلامه من باب النصيحة فتعمل على اعادة النظر في البيئة الاستثمارية وباستبعاد عوامل طرد الاستثمار ، بل انها اعتبرت الرجل وكأنه معاد للاردن!! وكادت ان تتهمه باساءة العلاقات بين الاردن والصين ! ولولا تدخل الجمعية مع معالي وزير الخارجية وايضاح حقيقة ما جرى لكان ان تطور الموضوع !. 

يجب ان نقر بأن التشخيص هو بداية العلاج واننا في الاردن وبصراحة وبالرغم حديثنا الذي لا ينتهي عن تشجيع الاستثمار ، فاننا في الحقيقة اصحاب سلوك مؤسساتي طارد للاستثمار ، وبل اتلمس شخصياً بعض من حقد وحسد على اصحاب رؤوس الاموال ، يتم التعبير عنه بجملة تعقيدات لا اول لها ولا آخر . 

انها بيروقراطية قاتلة فأية معاملة تحتاج الى عشرات التواقيع ، تتنقل بين وزارات ومؤسسات ودوائر، كثير منها لا علاقة له بطبيعة المعاملة أو بالنشاط الاقتصادي المُستهدف .

ومن تجربة شخصية فان (هبة مقدارها 350 الف دولار ) تمكنت من تأمينها من جهة خليجية بهدف اعادة تأهيل مشروع الجفر الزراعي ، هذه الهبة المالية تتنقل اوراقها بين دوائر الدولة الاردنية الرسمية منذ ما يزيد عن 20 شهرا! حتى ان مسؤولاً بتلك الجهة المانحة بعث لي متسائلاً بدعابة قائلاً «ربما ان الحكومة الاردنية قد فهمت خطأ باننا نحن من نطالبها بمبلغ 350 الف دولار وليس نحن من سيمنح هذا المبلغ لاعادة تأهيل مشروع زراعي اردني يخدم منطقة تسمونها من جيوب الفقر !».

(3) والحقيقة المرة ، كذلك ان قراراتنا الادارية وتعليمات الوزارات يمكن ان تلغي مشروعا ما بعد ان يكون قد قطع شوطا كبيرً .. واصبح على وشك التنفيذ ، ولنا في مشاريع الطاقة المتجددة وتلك القرارات غير المفهومة المتعلقة بهذا القطاع خير دليل على ذلك ، بحيث تم العام الماضي الغاء مشاريع سميت بالمرحلة الثانية ، بعد ان كانت الشركات التي تقوم على هذه المشاريع قد انجزت دراساتها واستأجرت اواستملكت الارض التي تقوم عليها تلك المشاريع! دون تبرير ..حتى ولو لم يكن مقنعاً . 

بل وان مؤسسات الدولة المعنية بالسوق وتفاعلاته وحركته ومكافحة الاحتكار هي شبه غائبة وهذا ما يفسر لنا ان عمان (الاردن هي الاغلى بين عواصم افريقيا والدول العربية حسب دراسة الاتحاد الاوروبي! ) . 

(4) بل وان عزوف رأس المال العربي وبالذات العراقي والسوري والخليجي عن الاستثمار في الاردن رغم اجواء الامن والاستقرار التي يمتع بها الاردن ، يطرح سؤالاً كبيراً عن سبب ذلك؟ ويجعلنا نتمنى على الجهات المعنية ان تأخذ تغريدة جلالة الملك وان تعتبرها اساسا لمراجعة وطنية شاملة لاداء الدولة الاداري بحيث تزال كافة المسببات التي دفعت بوضعنا الاستثماري والتطويري ان يكون على هذا المستوى المتواضع . 

وبعد تغريدة جلالة الملك تحمل حثاً شديداً الى الدولة لأن تعيد قراءة سلوكياتها وان تستجيب الى الرؤية والطموح الملكي حتى ننهض بالاردن ونعزز منظومة أمننا الوطني بأمن اجتماعي واقتصادي .

والله من وراء القصد