ثورة وثروة وثرثرة -عمر كلاب

2014 10 31
2014 10 31

30ربط الربيع العربي المفردات الثلاث بحبال اشدّ من حرف الثاء , بعد ان سادت تلك المفردات على واقع الحراك الشعبي , المسمّى قسرا بالربيع العربي , الذي جاء لانتاج مواسم الخَضَار الديمقراطي فأنتج بدلها حرائق وسواد يفوق سواد الاطارات المحترقة ناهيك عن الروائح المنبعثة من حواصل جمع المفردات السابقة .

الثورة حلم داعب مخيال شوارع كثيرة , رأت ان الفضاء الالكتروني المفتوح قابل للسحب على ارض الواقع , فعادت المفردة الثورية الى الجدران الافتراضية مصحوبة بتعليقات لم تعرف السقوف والحواجز والخطوط الحمراء , ونجح التواصل الاجتماعي في تجميع المجاميع البشرية ونثرها رذاذا في الفضاء الكوني علّ شحنة كهربائية تأتي فيتكاثف الرذاذ ويُشكّل غيمة حرية تمارس بشتائها غسل ادران الرجعية والتخلف والدكتاتورية .

اشحنة الكهربائية جاءت , وفرحت شوارع وميادين بها , لكنها لم تسأل عن المولّد الذي انتج الشحنة ولا عن المحول الذي اعاد توزيعها في الاسلاك الشعبية الممتدة من المحيط الى الخليج , وانتقلت الشحنات من شارع الى شارع ومن بلد الى اخر بتراتبية اقرب الى البلادة الثورية بحكم غياب الاسئلة عن وجود مجاميع ثورية حقيقية ام وجود تكوينات بشرية لا نظرية لها ولا قيادة اضافة الى اسئلة المولد والمحول .

وجدت الثروة فرصتها في دفع فاتورة الشحنات الشعبية , سواء الثروة الاقتصادية الحالمة بالسياسة او بالاطاحة بأصحاب الثروات القريبين من الساسة او تلك الثروات السرية القادمة من تحويلات اموال السحت والنفط والمال الاجنبي الحرام او من اموال الاحزاب المجهولة النَسَب وخزائن الاحزاب القائمة على اقتصاد سجّادة الجمعة .

انتجت الثروة في قطاع الثورة اقتصاديات جديدة ومهن اكثر حداثة , مُتعهدي مظاهرات وشعراء هتافات , ومطربين ميادين وساحات , وبنّائي منصات متحركة وثابتة ومتعهدي مظاهرات وكومسيونجية انفار , مثل اولئك الذين كانوا يعملون في الترحيلة او النافعة , ولتبسيط المصطلح للجيل الجديد , فإن النافعة كانت مجال عمل لشقّ الطرق وهناك متعهدين يجلبون العمال على غرار مكاتب التوظيف الحديثة , ومهمتهم فقط جلب العمال دون ادنى التزام حيالهم وبعدها يصبحون مراقبون عليهم فيأخذوا اجرهم مرتين . امام هذا التحالف الغامض ضاعت الثورة المرسومة في الاحلام وعلى الخرائط الدماغية للبسطاء الذين قدّموا عمرهم في هذه المسيرة , وحصد ثوار النافعة ثروة الطامحين وحصد التجار على اختلاف تلاوينهم ثورة الشحنات الشعبية , فعادوا الى مواقعهم بتأييد صوتي عبر الاقتراع , واعادوا تأهيل ذواتهم وتبييض اموالهم , فالاستثمار في السياسة مربح على اتجاهين فردي واقتصادي , وبات كومسيونجية الامس بثياب الارأسمال الوطني .

التحالف الغامض بين الثروة والثورة انتج فيما بعد ثرثرة سياسية بحيث فرّغ البسطاء شحناتهم السلبية وعادوا ينشدون الأمن والاستقرار , فبات حلم الشارع في كثير من الدول عودة السابقين , ومن لم يستطع اعادتهم أعاد انتاج حلفائهم او ابنائهم السياسيين والاقتصاديين , وكأن الثورة جاءت لاعادة انتاج القائم بشعبية وشرعية انتخابية تخلو من ديمقراطية .

ثرثرة الشوارع والميادين انتهت , وكأن حاصل جمع الثورة مع الثروة كان يستهدف تفريغ الشحنات السلبية لدى المواطن البسيط , فأعلى الثوري الجديد درجة حرارة المواطن واستورد الثري المولد والمحول لتوزيع وتحويل الحرارة الى طاقة شعبية تمده بالطاقة اللازمة لانارة دروب مصانعه واستثماراته وطريق وصوله الى المنصب مع بعض جوائز الترضية لمن ساهم في تسخين الاجواء بطيبة قلب او بحسن نيّة .

الثورة سُرقت والثروة تم تقسيمها وبقيت لنا الثرثرة على الجدران الافتراضية والى ثرثرة قادمة على مواقع تواصل جديدة بعد ان نجحت المواقع السابقة في توصيل احبال الثروة بالثورة لانتاج الثرثرة .

الدستور