في ذكرى رحيل أمين الأمة

2014 02 13
2014 02 13

ابو عودةكتب ماجد القرعان

قبل احد عشر عاما وتحديدا في الثالث عشر من شهر شباط غادرنا الى الرفيق الاعلى ابو عودة ( محمد عودة القرعان ) وكان يوما ماطرا كما يحب رحمه الله لإيمانه بقيمة المياه بالنسبة للحياة ولم تمنع غزارة الامطار احبته وكل من عرفه ليكونوا في وداع أمين الأمة في عصره وهو اللقب الذي اطلقه عليه الملك الراحل الحسين بن طلال طيب الله ثراه لما تميز به من أمانة ونزاهة في جميع المواقع التي عمل بها .

وأبو عودة من مواليد مدينة الطفيلة في العام 1916 عام الثورة العربية الكبرى وكان والده رحمه الله ( عودة محمد القرعان ) من شخصيات الطفيلة المعروفة والذي عمل في العهد العثماني معلما منفردا في قرية صنفحة الى ان صدر قرار تعسفي بنقله من الطفيلة الى اليمن بسبب مواقفه الوطنية المناوئة للأتراك والذي يعتبر نقلا داخليا حيث كانت البلاد العربية ترزخ تحت الحكم العثماني وقد حال دون تنفيذه القرار اندلاع الحرب العالمية الأولى فتحول  فيما بعد الى التجارة .

وقد ترعرع رحمه الله ونشأ في كنف والده المحب للعلم وقد درس الابتدائية بالمدرسة الوحيدة في الطفيلة التي كانت تدرس حتى الصف السادس ثم وبتشجيع من والده واصل دراسته الثانوية في مدرسة السلط ما مكنه من التعرف على عدد كبير من الشباب الاردني من مختلف مناطق المملكة والذين اصبحوا رجالات الوطن الكبار وقد انهى دراسته الثانوية في العام 1934 وهنا  ُعرف بـ ( ابو عودة ) نسبة لوالده رحمهما الله .

لم يتوقف طموحه عند الثانوية العامة حيث انتقل بعد ذلك الى دمشق ليواصل دراسته في الجامعة السورية التي اصبح اسمها فيما بعد جامعة دمشق فدرس القانون وتخرج في العام 1937 ليعود الى وطنه الاردن وأقام في العاصمة عمان وبدأ حياته العملية في مجال المحاماة لفترة عام تقريبا ثم عين في وزارة المالية حتى العام 1940 حيث جرى نقله الى سلك القضاء حتى عام 1946 حيث قرر العودة للعمل في مجال المحاماة لكنه لم يستمر اذا تم تعينه في دائرة ضريبة الدخل واصبح فيما بعد رئيسا لقسم الضرائب ومن هنا بدا يتدرج في المهام والمناصب والتي بداها بمنصب وكيل الجمارك التابعة لوزارة المالية  منذ عام 1951 وحتى عام 1962 .

وخلال عمله وكيلا لدائرة الجمارك ( تعادل حاليا منصب مدير عام الجمارك ) زادت معرفة الناس بشخصية ابو عودة الذي تميز بالنزاهة والامانة والانسانية ما زاد من محبة وتقدير كل من عرفه ويروي وزير المالية انذاك ( المرحوم احمد الطراونة ) واحدة من مواقف ابو عودة التي تؤكد على نزاهته وامانته حيث يقول انه طلب من ابو عودة بكون دائرة الجمارك تتبع لوزارة المالية بأن يتساهل مع المرحوم عاكف الفايز في قضية جمركية وتبين له فيما بعد انه استجاب لطلبه ولكن بصورة لا تصدق اذ قام ابو عودة باستدانة مبلغ من البنك ودفع القيمة الجمركية المطلوبة من الفايز وبذلك ارضى ضميره وارضى صديقه في آن واحد وحين علما الطراونة والفايز بذلك سارع الفايز الى دفع المبلغ الى ابو عودة .

بعد ذلك تم تعينه مديرا عاما لمؤسسة الاقراض الزراعي وهو المنصب الذي مكنه من خدمة المزراعين حيث كان يعشق الزراعة ويشعر مع المزارعين فيتبنى قضاياهم ويسعى بكل السبل الى حلها والتخفيف عنهم ومن القصص هنا ان ديون احد كبار المسؤولين وصلت الى نصف مليون دينار وكان هذا المسؤول يتمنع عن التسديد فما كان من ابو عودة الا ان قدم استقالته وحين علم الراحل الملك الحسين تدخل  وتم سداد المبلغ ورفض قبول استقالته وقد استمر رحمه الله مديرا عاما للمؤسسة لمدة ثمانية عشر عاما .

ومن القصص الأخرى رفضه تقاضي مياومات نظير سفره بمهام رسمية خارجية بكون السفرات مغطية من جميع الوجوه فكان يعيد قيمة المياومات الى خزينة الدولة وكذلك قيامه بتوزيع المكافآت التي يحصل عليها على صغار الموظفين والمراسلين لكن تبقى هناك قصة اخرى حيث انه استحق بدل عمل اضافي عن فترة ترؤسه لجنة تعويضات للمزارعين مقدرها الفان وخمسمائة دينار وحين ورده التحويل المالي كلف احد الموظفين باعادة التحويل المالي الى دائرة خزينة الدولة بعد ان كتب على ظهر التحويل المالي ( وعني لأمر خزينة المملكة الاردنية الهاشمية ) .

ومن القصص الأخرى ان الملك الراحل علم باحواله المالية الصعبة فمد له يد العون غير ان ابو عودة اجاب بتواضع ودماثة ( بوركت سيدي واعزك الله … مستورة والحمد لله … تحياتي إليك على الدوام سيدي ) ما زاد من تقدير واحترام الملك الحسين له فلقبه بأمين الأمة .

وقصة اخرى حصلت مع ابو عودة بعد ان تقاعد أن ابنه البكر وبعد ان انهى دراسته في بريطانيا ( طبيب ) وعاد الى الاردن قام بشحن اثاثه من انكلترا بالباخرة الى الاردن وعندما وصلت الى دائرة الجمارك واجتهادا من موظفي الدائرة لمكانة والده لديهم لم يقوموا بمعاينة الاثاث في دائرة الجمارك وارتأوا ان يقوموا بارسال الشحنة الى منزل ابو عودة ليتم معاينتها هناك وما حصل انهم وبعد ان اتموا عملية المعاينة بمحاذاة منزل ابو عودة الذي لم يكن يعلم بوجودهم صدف ان حضرا احد انسبائه الذي دعاهم الى داخل المنزل ليقوم بواجب ضيافتهم وهنا شاهدهم ابو عودة وعلم بأمر وجودهم فما كان منه الا ان طلب منهم اعادة الشحنة الى دائرة الجمارك ليتم معاينتها وتحصيل ما يستحق عليها من رسوم جمركية فكان له ما طلب ودفع الرسوم الواجب دفعها .

وتقديرا لمكانته وسمعته وجهوده وما يحمله من افكار عين عضوا في مجلس الاعيان في العام 1980 ولعدة دورات وقد تميز اثناء عضويته انه الوحيد بين الاعضاء الذي كان ينتقد الحكومة مقدما مقترحات لتصويب قرارات لم يكن مقتنعا بها .

وفي الشأن السياسي كان له نشاط سياسي وطني مع مجموعة من الشخصيات الاردنية امثال المرحومين حمد الفرحان ونجيب ارشيدات والشيخ ابراهيم القطان وقد شارك في تاسيس تنظيم سياسي باسم الشباب القومي العربي  وانشاء المنتدى العربي واشترك في وقت لاحق مع سليمان النابلسي وعلي مسمار وصلاح طوقان في تأسيس الحزب العربي الاردني وكان من اشد المعارضين للمعاهدة الاردنية البريطانية عام 1946 ومن اصدقائه المقربين جدا الشهيد وصفي التل الذي شكل احدى وزاراته في منزل ابو عودة وقد  ُعرض عليها اكثر من مرة حقيبة وزارية لكنه كان يرفض ان يصبح وزيرا .

تم تكريمه رحمه الله بمنحه وسام النهضة من الدرجة الثانية ووسام الاستقلال من الدرجة الأولى وقد رحل الى الرفيق الاعلى في اليوم الثالث عشر من شهر شباط من عام 2003 تاركا ارثاَ خالدا من المجد والسمعة الطيبة والنزاهة والامانة قل نظيرها .