قمم العرب .. شعارات باهتة وصناديق فارغة!!
محمد حسن التل

2013 03 27
2013 03 27

لم تعد القمم العربية، تثير اهتمام الشارع العربي، من قريب، أو بعيد، بل لم تعُد هذه المؤتمرات، تثير اهتمام الزعماء العرب أنفسهم، الذين باتت لهم هذه المؤتمرات، اجتماعات بروتوكولية، لا أكثر ولا أقل، وهذا الوضع، ناتج عن فقدان الثقة، لدى المواطن العربي، بجدية مثل هذه المؤتمرات، نتيجة عدم ترجمة قراراتها، عبر عقود طويلة، إلى واقع محسوس. كما أن النظام العربي، شهد في العقدين الأخيرين، ومنذ قمة القاهرة، في العقد التاسع من القرن الماضي، والتي أسست لتدخل أجنبي، في الشؤون العربية، انهيارات كبيرة وعميقة، جعلت هذا النظام، يعيش أزمة مزمنة، وفوضى مركبة، لهما انعكاسات خطيرة، على واقع الأمة، ولا يوجد في ظل هذا الواقع المظلم، في المستقبل المنظور، أي بارقة أمل، على مواجهتها.

وبعد ربيع العرب، الذي كشف هزالة الواقع العربي الرسمي، تلاشت بالكامل، أهمية هذه المؤتمرات، التي تعوَّد العرب -كما ذكرنا- على أنها، لا تتعدى اللقاءات البروتوكولية الشكلية، وأخذت الشعوب المبادرة بنفسها، ولم تعد تنتظر ما يُفرض عليها، من واقع، بل أصبحت تفرض واقعها، وتتحكم به، وترسم ملامحه، وهذا مؤشر، على فشل النخبة الحاكمة، في الوطن العربي، على مدار ستين عاما، في إيجاد قاعدة قوية، لواقع عربي، يحقق الحد الأدنى، من طموحات شعوبها، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فالعرب، يتمتعون بأكبر حجم ثروة، في الأرض، في الوقت، الذي يملكون أكبر نسبة فقر وبطالة، في العالم، إضافة إلى الفروقات الكبيرة، بين اقتصاديات دولهم، نتيجة عدم تفعيل مئات الاتفاقيات، ذات العناوين الكبيرة والبرّاقة، في الوحدة والتضامن والتكافل!! فهل يُعقل، أن أكبر نسبة من الطاقة في العالم، يملكها عدد من الدول العربية، في حين أن معظم دول العرب، تكاد اقتصادياتها تختنق، نتيجة أزمة الطاقة، التي تعصف بموازناتها، الأمر الذي بدأ يهدد استقرارها وأمنها.

كذلك معضلة البطالة الواسعة، التي تضرب واقع ومستقبل، ملايين الشباب العرب، في حين، يكاد الوطن العربي، يقع تحت استعمار جديد، نتيجة العمالة الوافدة، وبالذات الآسيوية، التي تجتاح الدول العربية الغنية، والمتأمل بحال هذه الدول، يرى بكل وضوح، أن واقعها الاقتصادي، يستطيع بكل سهولة، حل مشكلة البطالة، على المستوى القومي، ولكن الإصرار، على الاعتماد، على العمالة غير العربية، حرم الشباب العربي، الاستفادة من ثرواته القومية، من حيث إيجاد فرص عمل متاحة لغيره، وبالعودة إلى الجانب السياسي، الذي أكثر ما تخاطبه القمم العربية، وقد شكَّلت قضية فلسطين، العنوان العريض، لفشل هذه القمم، حيث ملأت أدراج الجامعة العربية، بآلاف القرارات، بدءاً بدعم المقاومة، على الأرض الفلسطينية، مروراً بمساندة دول الطوق، وصولاً إلى حماية القدس، التي ظلت الصناديق، التي حملت اسمها، على المستوى العربي فارغة، حتى تاريخه، مما جعل القضية الفلسطينية والقدس بالذات، وجهاً لوجه، مع الثعلب الصهيوني، الذي لم يُبْقِ في القضية، لا لحماً ولا عظما، إزاء وضع عربي متهالك، دخل في حالة الموت السريري، منذ فترة طويلة.

لقد أصبح العرب والفلسطينيون، يشعرون بالإهانة والاستغفال، عندما يسمعون، أن الاجتماعات العربية، تؤكد على حق الفلسطينيين، في أرضهم وقدسهم، وغير هذه الشعارات، التي أصبحت تثير الاشمئزاز، على المستوى الشعبي، لأنها فقدت مصداقيتها، منذ زمن بعيد، أما عن تلك الأزمات الأخرى، التي تعصف بالعرب، علاوة على القضية الفلسطينية، فإن مؤسسة القمة، فشلت أيضاً، في معالجتها، بل زادتها تعقيداً، نتيجة التخندقات السياسية، وأخذ المواقف الشخصية، أكثر من القومية، والأزمة السورية، التي نعيش أحداثها، منذ عامين، أكبر شاهد، على هذا الواقع الأليم؛ فحل هذه الأزمة، لا يكون بالمواقف السياسية المتشنجة واستباق النتائج وتصفية الحسابات، بين أطراف كثيرة؛ فهذا يجعل الأزمة تتعقد، وتدخل في أنفاق ومتاهات كثيرة، على حساب حياة ومصير الشعب السوري، وقد حدث ذلك، أمام عجز كامل، للنظام العربي، في التعامل الواجب، بروح قومية، مع هذه الأزمة، التي -إِنْ استمرت على هذا الواقع- فربما، تعصف في المنطقة، بالكامل.

لقد بات واجباً، بعدما حدث في العراق، التفريق بين النظام والدولة، فمن الطبيعي، أن النظام غير مخلَّد، ولكن الدولة، مُلك الشعب وإنجازه، وضمانة لحماية مصالحه، فاستهداف الدولة السورية، أمر مرفوض، وهو طعنة نجلاء، للشعب السوري، فللمتباكين على مصير هذا الشعب، نقول: إِنَّ الحفاظ على دولته، أكبر حماية وخدمة له، وأن استهداف مؤسسات هذه الدولة، خيانة له، أمّا النظام، الذي يوجه الرصاص، إلى صدور أبناء شعبه؛ فلا بد من محاسبته ومعاقبته.

على النخبة الحاكمة، في الوطن العربي، أن تعي، أنها أمام واقع جديد، ذي ملامح مختلفة، وأن ما كانت تستوعبه شعوبها، لم يعد ممكناً اليوم، أمام جيل جديد، يجتاح بأفكاره وهمته، نحو التغيير، كافة مساحة الوطن العربي، مسنوداً بإحساس عميق، بالظلم والتهميش، والرغبة بإيجاد واقع عربي مختلف، يحاكي الامكانيات الكبيرة، لهذه المنطقة، من العالم، من مختلف النواحي، السياسية والاقتصادية والثقافية، وحتى الاجتماعية.

لقد دفعت الشعوب العربية، على امتداد، ما يقارب القرن، من الزمن، ثمناً باهظا، نتيجة ضعف النظام العربي، وضيق أفق الكثير من القائمين عليه، وتحكُّم النخب السياسية، بمستقبل شعوب، طالما اشتاقت، إلى أن تكون، كباقي شعوب الأرض، تتمتع بالحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، ولكنها، لم تكن تجد، إلا القهر والظلم والتهميش، إزاء هذا الوضع العربي المعقد المتهالك، والذي يعيش حالة فشل تام، أصبح لزاماً على العرب، إعادة التفكير بوضع، ما يسمى الجامعة العربية، التي تحوَّلت إلى جسم جامد، لا حول له ولا قوة، واستبداله بكيان عربي جديد، يحاكي واقع العرب الجديد، الذي فرض نفسه، بعد حركة الشعوب مؤخراً، التي هبَّت رياحها منذ عامين، كما يحاكي، الوضع العالمي الجديد؛ فالعالم، لم يعد يعترف، بكيانات صغيرة مفككة مبعثرة، فلا بدَّ للعرب كأمة، أن يخرجوا، من أنفاق الخلافات والتخندقات، التي لا تخدم حاضرهم ولا مستقبلهم، ولا تؤهلهم، لاسترداد حقوقهم، وأن يلملموا، أشلاء ما تبقى من ثرواتهم، ويوحدوا صفوفهم، متكئين على الحرية والعدل والمساواة، بين شعوبهم، ساعتها.. يستطيعون، أن يقولوا، أن لديهم نظاماً رسمياً شرعيا، تتقدمه مؤسسة قمة، مسنود بشعوب، تتسلح بالرضا!!.

الدستور