من الدير لحوران …!

2015 05 06
2015 05 08

2015421114933135كان ذلك قبل أكثر من عشرة أعوام عندما ربطتنا الكثير من الصداقات بشباب تعلم الكرم والعزة في ربوع دمشق وحلب وغيرهما من ربوع شام العروبة، وكان أحد هؤلاء صديق حلبي وعدناه أن تكون “إشو” أول كلمة نقابله بها عند وصولنا مدينة حلب في أول زيارة لنا لها وتعني “ماذا” باللهجة الحلبية، لشدة تعلقنا بحلب ولهجتها وطيبة أهلها.

وتحققت بعدها اول زياراتنا للأراضي الشامية لقضاء عيد الفطر فيها مع احد أعز الأصدقاء ذو الخؤولة الدمشقية، ولا ننسى مائدة الكرم التي استقبلنا بها أقربائه في قلب دمشق، ولا تفاصيل تلك الرحلة التي ما زلنا نحتفظ بصورها إلى اليوم في ربوع دمشق القديمة وسوق الحميدية، وساحة المرجة حيث تشاركنا الإقامة مع صديقنا فيها حرصاً منه علينا، وكيف أرغمناه صباح العيد على التوضأ بالماء البارد والذهاب لصلاة العيد في الجامع الأموي برغم كل محاولاته لاقناعنا بأثرية المسجد المجاور لمكان اقامتنا، لنذهب ونحن نتلاطم من النعاس شوقاً للجامع الاموي الذي كنا نتوق للصلاة فيه وإسترجاع تاريخ أمتنا العظيم في كل ركن من أركانه.

ثم إنتقالنا بعدها وحدنا من دمشق مروراً بحمص العزة وحماة ونواعيرها التي تدور كرامة وشرفاً، وصولاً “بإشو” الموعودة إلى حلب الشهباء لمقابلة صديقنا الحلبي هناك، ولا يمكن نسيان تلك الليلة التي قضيناها معه في ضيافة والديه الكرام والكرم الحلبي والمامونية الحلبية، وربوع حلب الزكية التي تنبض بإيمان أهلها ورجولتهم وعفة نسائهم كسائر ربوع الشام من دير الزور لحوران، وحتى رأس ابن هانئ وصولاً لعين العرب، ونستذكر هذه الذكريات الجميلة اليوم بعد سنوات طويلة وبعد أكثر من أربع سنوات عجاف مازالت بلاد الشام ترسم فيها لوحة جديدة من لوحات عز الإسلام والعروبة بدماء أبنائها وبناتها الطاهرة المختلطة مع كل حبة تراب من أرض سوريا اليوم، فلابد وأن كل حبة تراب في أرض الشام اليوم وقد اختلطت بدم شهيد، أو أنها أضحت مستقراً لشهيد، أو تنتظر أن تكون سكنا لشهيد يزف إليها يوماً ما !

فلو اتجهنا شرقاً وصلنا دير الزور التي كسرت منطقاً اسمه الغرابة باحتضانها لقرية “غريبة”من قرى منطقة الميادين يزيد سكانها عن 5000 نسمة، لتكون دار رجولة أبطالها وعزة نسائها لؤلؤة الفرات النابضة الحاملة في أحضانها حضارة الماضي وأمجاد الحاضر، وقد صدق الشاعر فيها القول عندما قال: حط الرحال بمتحف الآثار، آثار إنسان الفرات “بماري”، والصالحية قبلة النضار، وأطل من عليائها بفخار، جسراً لكل عرمرم جرار، عنه الزمان أجل بالأخبار.

ثم تقابلنا الرقة التي أخذت إسمها من وصف أهلها الشامخين الاحرار كالصخور، فالرقة هي الصخرة المسطحة لغة، وصدق من وصف أهلها الطيبين بقوله: لي فيك يا رقة الأحرار إخوان وذكريات وأحباب وخلان، وفيك من أيقظ الأشواق في كبدي، هم الاحبة دوماً أينما كانوا.

ونجد جنوباً السويداء الضاربة في التاريخ، فكل حجر من أحجارها ترجمان يفصح عن قصة مشرقة من الماضي مرت على حضارات تليدة ازدهرت في هذه البقعة الجميلة، ثم درعا وما أدراك ما درعا، أو أدرعات كما تغنى بها الشعراء قديماً، وهي الثائرة الرافضة لكل ظلم على مر العصور زهرة حوران وواسطة عقدها، ومن بعدها حمص العدية الصخرة الثابتة الثائرة في وجه كل المتجبرين، فحماة دار التضحية والفداء التي صدق من قال فيها: حماة التي ما مثلها بلد لكل دان من الأهلين أو قاصي، ترق قلبا لأحوال الغريب لها حتى نواعيرها تبكي على العاصي، وصولاً لحلب التي أبدع من وصفها بقوله: ياصاحبي إذا أعياكما سقمي فلقياني نسيم الريح من حلب، وحتى أقصى الغرب في ربوع إدلب واللاذقية وجبال الساحل السوري الشامخة.

ورحم الله الشاعر الكبير نزار القباني الذي أبدع حين سطر كلماته التي تكاد تحرك شفاه كل عاشق لربوع الشام وأهلها اليوم:

لقد كتبنا وأرسلنا المراسيلا وقد بكينا وبللنا المناديلا، قل للذين بأرض الشام قد نزلوا قتيلكم لم يزل بالعشق مقتولاً، يا شام يا شامة الدنيا ووردتها، يا من بحسنك أوجعت الأزاميلا، وددت لو زرعوني فيك مئذنة، أوعلقوني على الأبواب قنديلاً، بلدة السبعة الأنهار يا بلدي، ويا قميصاُ بزهر الخوخ مشغولاً، يا حصاناً تخلى عن أعنته، وراح يفتح معلوماً ومجهولاً، هواك يا بردى كالسيف يسكنني، وما ملكت لأمر الحب تبديلاً، أيام في دمر كنا وكان فمي، على ضفائرها حفراً وتنزيلاً، والنهر يسمعنا أحلى قصائده، والسرو يلبس بالساق الخلاخيلا، يا من على ورق الصفصاف يكتبي، شعراً وينقشني في الأرض أيلولا، يا من يعيد كراريسي ومدرستي، والقمح واللوز والزرق المواويلا، يا شام إن كنت أخفي ما أكابده فأجمل الحب حب بعد ما قيلا.

صدقت أيها القباني، والقباني في اللغة هو الوازن بالقبان وهو الميزان الكبير الذي يزن به ويحفظه، وللأمانة أن الشاعر نزار القباني رحمه الله وزن ووصف بكل صدق وأمانة ما يجري في بلاد الشام وكأنه يعيش فيها اليوم.

ونحن بدورنا نوصي قاصد الشام أن يسرع الخطى ويكفكف الدمع، ولا ينسى تقبيل كل حبة تراب شامية طاهرة في طريقه، فقسما بالله بعدد  حبات الرمال الممتدة من الدير لحوران، وبعدد قطر الامطار الهاطلة من حلب للشغور، وبعدد ما طارت الأطيار من إدلب لحماة، وبعدد تقلب الليل والنهار من حمص إلى قلب دمشق وريفها، وبعدد قطرات دماء الشهداء في كل شبر من أرض سوريا الأبطال، مهما طال أديم الليل سيبزع فجر نهار تثور فيه كل قطرة دم هدرت بظلم في وجه كل الظلمة الفجار، راسمة الفرج والفرح على وجه كل ابناء سوريا الأحرار.

يا شام يا شامة زرعت بيننا واحة للعزة والكرامة، وزرعت فينا من جديد كل معانى التضحية والشهامة، يامن هي بحاجة اليوم لكل محب ومخلص ليخرجها من حمام الدم الغارقة فيه منذ سنوات، بحاجة لكل ابنائها وبناتها، مسيحيين ومسلمين، سنة وعلويين، شيعة ودروزا، عربا وكرداً، تحتاجهم أمهم الشام كلهم اليوم، بصغيرهم وكبيرهم، برجالهم ونسائهم، ليقفوا معها صفاُ واحداً بوجه الظلم وسفك الدماء وبصوت واحد: كفى دماً يا شام، فنحن من سنزرع المحبة بيننا بايدينا من جديد، ومن سيكفكف دمع العيون ونبدله برسم الابتسامة على الخدود، ونحن من سنعيد هيبة سوريا بعزيمة من حديد.

ليبقى شعب سوريا أكبر حائط صد في وجه الظلم والطائفية، من نادى يوماً “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”، وستبقى سوريا رغم أنف كل حاقد وكاره كما يحبها كل مخلص ومحب لها، واحة غناء ملكاً لكل أبنائها وبناتها فخورة بهم جميعاً، فهي التي دفعت وتدفع الثمن من دمائهم الزكية كلهم دون استثناء.

هي الحقيقة يا شام، فأجمل الحب حب بعد ما قيلا، حب أن تكون أنا وأنت سوريا كما يتمناها كل أحبابها، وليس إما أنا أو أنت.

م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران