أحذية ستاتية وإساءات للعرب

2016 05 10
2016 05 10
ibrahim_kaisiالسوق؛ تتوحش غالبا، وتفرض قوانينها على الجميع، فتضمحل ثقافات وتختفي أخلاق إنسانية حضارية، طالما تغنت بها الشعوب، خصوصا تلك التي تمتلك ثقافات قديمة، حاولت المحافظة على سيادتها منذ نشوء تلك الحضارات..

النساء سلعة رخيصة في السوق، وهذا يبدو جليا في الدعاية والإعلان، وفي عالم الأزياء تجد الذائقة تنخفض إلى مستوى غير أخلاقي، يعتمد على تسليع الأنثى ومفاتنها..

قبل أشهر قليلة؛ دخلت إلى بعض محلات الأزياء، واكتشفت كم أصبحت «ديناصورا»، وقد كنت قبل ذلك أتذوق اللون والموديل والموضة، باعتبارها قطع فنية، فيها تعبير عن هويات ثقافية وإحساس يشبه ما يفعله المبدعون من الأدباء والموسيقيين، وتم استبدال هذا جميعه بالصورة الملتبسة القابلة لعدة «قراءات»، طلاسم، أحرف فانتازية في شكلها وتوزيعها، ألوان باعثة على الضجر، أشكال تحتفظ بأماكن «خادشة للحياء» لمفاتن الأنثى، انزلاق إلى الحضيض، حتى تلك البنطلونات ذات الخصر الساحل، تصبح قديمة حين ترى شدة انهيار الذائقة..

من أهم ما لاحظته كان يتعلق بالأحزمة؛ «حزام ستاتي» يتخذ لون شماغ أحمر وآخر أبيض، والشماغان مبرقعان بالأسود، وتذكرت بعض الأزياء المصنوعة خصيصا لكرنفالات واحتفالات وطنية، في الأردن وفي فلسطين وبعض من دول الخليج العربي، وهي الدول التي يتخذ فيها الشماغ رمزية متفاوتة.. لكنني وبعد رؤية تلك الأحزمة على بعض الأزياء الستاتية بل «البناتية»، أدركت بأن هذا اللون سينحدر ويسحل إلى أسفل في أزياء قادمة للسوق العربية في هذه البلدان..

في صبيحة هذا اليوم، وصلتني صورة عبر «واتسآب»، وهي تجمع «3 فردات» من أحذية ستاتية، وكل فردة اتخذت لون شماغ ما، ومكتوب على الصورة «راحت هيبة الغترة يا شباب»، وهذا يوحي بأن الذين يتبادلونها هم نشطاء من الخليج العربي، أما مرسلها فهو صديق محترم؛ أستاذ جامعي يعمل نائبا لأحد رؤساء الجامعات الخاصة، كتب قبلها عبارة « الصورة من دبي راحت هيبة الشماغ»..

الشماغ وهيبته ثقافة عربية، وبغض النظر عن لونه وعن تاريخه، فهو يحتل رمزية متجذرة في ثقافتنا وذاكرتنا، علاوة على أنه زي يعبر عن إرث وهوية خاصة بالنسبة لسكان الدول العربية المذكورة وغيرها، لكنه حقا يختفي من فوق الرؤوس، وقبل شهر كنت أقوم بواجب العزاء في قرية «الغوير – الكرك»، وكان الدكتور عبدالقادر الحباشنة يحدثني عن الصحافة والسياسة و»طب العرب»، فقاطعته مشيرا إلى عدد من الرجال القدماء، من كبار رجالات الضمور، يجلسون مصطفين على كراسي في الصالة أمام نادي الغوير، وقلت له : أنظر يا دكتور إلى جمال هذه الصورة التي أصبحت نادرة، الشماغ ما زال يعلو هذه الهامات الأبية، التي تحتوي كتبا في الأخلاق والتاريخ الجميل، فأجابني الدكتور: قلما ترى الشماغ اليوم في مناسباتنا، ولن تمر سنوات وسوف يختفي تماما، فالرؤوس أصبحت «مفرعة» ولا تقوى على ارتداء هذا الرمز.. وحين قررنا المغادرة ذهبنا إلى الرجال الكبار وألقينا التحية عليهم فردا فردا..

من نهايات أيلول حتى نهايات أيار من العام الذي يليه، لا أجلس في البيت الا وأرتدي الشماغ، دون عقال، فالدفء المتأتي منه ليس حراريا فقط، بل فيه حميمية ممتدة من أصل وتاريخ طيب، فأبي رحمه الله وكل أعمامي وأجدادي كانوا يرتدونه، ولا يمكن أن أتخيل شكل بعضهم بلا شماغ، وهي الصورة التي تحتل مخيلتي وتبعث في اعتزازا بأنني أنتمي إلى هؤلاء، بكل تاريخهم الطيب وإرثهم الانساني المجيد..

كيف انزلق شماغنا وأصبح مرسوما على أحذية النساء، من فعل هذا ولماذا؟ ..

القصة ليست صدفة، والتعليقات المنفلتة التي أتوقع سماعها من بعضهم هي الخسارة الأكيدة، فالمجتمعات التي تصمت عن الإساءة لرموزها الثقافية والاجتماعية والعقائدية هي شعوب تموت إن لم تكن ميتة فعلا..

والله إنه من المعيب أن يتم عرض هذه البضائع في أسواق عربية وتراها عيون عربية، كانت قد رأت يوما «الشماغ» يعلو هامات الآباء والأجداد ..

قد يعتبر بعضهم بأنه موضوع لا يقدم ولا يؤخر، لكنه بالنسبة لي موضوع يستفزني، وأشعر بأنني مستهدف بطريقة ما حين أشاهد مثل هذه السلع في أسواقنا..

فاحترموا تاريخكم وهويتكم الثقافية، وحافظوا على رموزها وسيادتها في منظومة أخلاقكم على الأقل.

ابراهيم عبدالمجيد القيسي