أنت جميل …

2015 02 27
2015 02 27

27بقلم م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران

كانت تجربة مثيرة حملت لنا الكثير من المعاني بداية الشهر الحالي، خلال زيارتنا لأحد مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة، لا لشئ سوى لتحريك ريشتنا لرسم إبتسامة صغيرة على وجوه قد ملأتها براءة حاصرها الألم، ولنتذكر نعم الله علينا ونحن نشاهد هؤلاء الأطفال الذين أكرمهم الله بالابتلاء، ونقول أكرمهم لأن من رزقه الله البلاء وصبر عليه كان ذلك رفعا لدرجته، وزيادة في أجره وثوابه هو وأهله من الصابرين معه، فما بالكم بأطفال كتب لوجعهم أن يرافقهم وأهلهم منذ فتح أعينهم على هذه الحياة، وأن يشعروا به حتى قبل أن يفهموا أو يعلموا حقيقته ومعناه، فتلك طفلة مصابة بالتوحد منذ الولادة، وهذا طفل مصاب بالشلل الدماغي، وآخر أكرمه الله بمتلازمة داون، تطلب من إحداهن أن تعد لك للعشرة فتتكلم بكلمات لا تفهم منها غير تحريك رأسها، وأخرى تقف بكل براءة الطفولة لتعصر البرتقال فتحاول أن تكلمها فلا ترد جواباً، قبل أن تعلم أنها لا تفهم ولا تنطق، وطفلة لا تقوى الحركة فنجلس بجانبها لأخذ صورة تذكارية لا نعلم كم ستحفظ ذكراها، فقد أكرمها الله بنوع من المتلازمات بحسب الدراسات الطبية تبدأ معها الحالة بالتدهور سريعاً حتى يفارق الطفل الحياة، والحقيقة أن حجم الألم في قلوبنا كان كبيراً جداً خلال الزيارة، ونحن نشاهد تلك الزهور البريئة من حولنا وضحكاتهم التي بالكاد تشق طريقها إلى وجوههم البريئة. لم نسمع من هؤلاء الأطفال كلمة واحدة خلال الزيارة، فكلهم ينظرون إليك نظرة من يتمنى أنك تقدر على أخذ ألمهم معك بعيداً عنهم وعن قلوبهم الطاهرة الصغيرة، إلا واحداً منهم فقط. ذلك الطفل الذي نتشرف نحن بأنه يحمل إسمنا، والذي أكرمه الله بشلل دماغي لم يمنعنا من الجلوس بجانبه لأخذ صورة تذكارية معه، ليفاجأنا والجميع بنطقه كلمات نعتقد بأنها من أصدق ما يمكن أن نسمعه في حياتنا، فمن مثله لم يعرف في حياته سوى أن يعبر بصدق عما في داخله. “أنت جميل”، خرجت من قلب جسد صغير يمتلأ بالألم والمعاناة، خرجت من لسان بالكاد يقدر أن يتحرك، خرجت برغم كل ذلك عندما شعر صاحبها بأن هناك من يحاول إسعاده ولو للحظات يعيشها معه في هذه الحياة، والحقيقة أن لساننا قد انعقد في تلك اللحظات فلم نقدر أن نفي ذلك الطفل الرائع حقه، ولذلك كان عهدنا على أنفسنا أمام الحاضرين أن تكون هذه السطور، وأن تكون تلك الكلمات الصادقة عنواناً لها. “أنت جميل” كلمات لا تعبر عنا نحن، فلسنا أكثر من مجتهدين لترك أثر طيب ولو صغر مع كل من يتعامل معنا في هذه الحياة، لكنها تعبر بحق عن كل ما رأيناه في ذلك المركز الشامخ، مركزاً هو بحق يحمل من الجمال والروعة ما يفوق عين الفرس التي يحمل إسمها، بجميع القائمات عليه ممن يتعاملن مع جميع هؤلاء الأطفال وكأنهم أولادهم وفلذات قلوبهم وأكبادهم، إضافة لحقيقة أن هناك من الأطفال في المركز من هم أبناء وبنات لإداريات في المركز ممن حملوا معنى القدوة الحسنة بأجمل صورها، وهؤلاء هم من يستحقون أن ترفع لهم القبعة إحتراماً وتقديراً، وهم من يستحقون أن يقال لهم ولمركزهم “أنت جميل” لأنهم عنواناً حقيقياً لمن نسي ألمه ووجعه ليرسم الأمل والسعادة على وجوه بريئة تنتظر بكل شوق وتلهف كل من يساعد ابتسامتها على النهوض والاشراق في وجهها. من أراد ان يرى جمال هذه الدنيا فليبحث عنها في وجوه هؤلاء الأطفال، ومن أراد أن يرى معنى الصبر فليبحث عن أهل هؤلاء ممن يقفون بجانبهم ليمسحوا دموعهم برغم كل ما بداخلهم من ألم ووجع، ومن أراد ان يرى نعم الله عليه فلينظر الى أبنائه وبناته ويتذكر هؤلاء الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، طيور الجنة التي تمشي على الارض، ليحمد الله على ما أكرمه به من نعم ويدعو لهم بالشفاء والعافية ولأهلهم بالصبر والقوة، فلهؤلاء حق على كل واحد منا أن يتذكرهم ولو بدعوة صادقة إن لم يستطع أن يقدم لهم أكثر من ذلك.