أو ليصمت …!

2015 11 07
2015 11 07

Abdulrahman Badran (1)كان ذلك قبل عدة أعوام عندما كنا عائدين للمنزل من عملنا في العاصمة السعودية الرياض، وكانت الأجواء ممطرة منذ الصباح حتى خرج الأمر عن السيطرة بعدما غمرت المياه الكثير من الشوارع وفاضت بها، وحولتها هي والأنفاق إلى بحيرات كبيرة، حتى أن الكهرباء إنقطعت عن إشارات المرور فبادر يومها مجموعة من الشباب السعوديين “النشامى” لتنظيم السير مع المرور، مع الأخذ بعين الإعتبار أن كثير من المركبات أصبحت تسبح في المياه، وكنا من هؤلاء عندما فقدنا السيطرة على مركبتنا وأصبحنا ننتظر مصيرنا فيها وسط المياه مرددين الشهادة واضعين الأسوأ بين أعيننا في تلك اللحظات الرهيبة، حتى نجحنا بجهد كبير بفضل الله بأخذها إلى جانب الطريق ثم تركها هناك لإستحالة السير بها وسط الشوارع المغلقة بالمياه مواصلين مشوارنا إلى المنزل سيراً على الأقدام، ليستغرق مشوار العودة للمنزل منا والذي لا يتجاوز نصف ساعة عادة أكثر من 3 ساعات وسط ظروف رحلة لا ننسى تفاصيلها أبداً >

وتذكرنا هذه الظروف ونحن نتابع ما حدث في العاصمة الأردنية عمان قبل أيام، وأوجعتنا تلك المشاهد لذلك الحارس المصري الذي فقد طفليه رحمهما الله، وذلك الشاب الذي حاول منقذوه إخراج المياه منه لساعات في حي النزهة قبل أن يفارق الحياة والشاب الآخر رحمهما الله تعالى، كانت لحظات مروعة بالنسبة لنا ونحن نحاول الإطمئنان على جميع الأهل والأحبة هناك بعد أن رأينا المياه وقد غمرت معظم شوارع وأزقة وأنفاق العاصمة الأردنية، وفي المقابل مع كل حدث عصيب يحدث في بلادنا نجد لوحة مشرقة براقة، وقد كان عنوان هذه اللوحة الأكبر وقفة نشامى الوطن وخيرة رجاله، من رجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بمختلف أذرعها والجمارك، والتي كانت وقفة عز وفخر لا يمكن إلا الوقوف عندها ورفع القبعة لها إحتراماً وتقديراً لمن يكونون دائماً في مقدمة من يجازفون بحياتهم لإنقاذ حياة المواطنين وحمايتهم >

,لا يمكن لنا أن ننسى ذلك الشاب الرائع “راكان قطيشات”، والذي نقسم لو رأيناه لقبلناه بين عينيه على رجولته وشهامته ومجازفته بحياته لخلع حديد الحماية عن أحد بيوتات التسوية وإنقاذ حياة عائلة من 6 أطفال كاد أن يفقد حياته لأجلهم، فبارك الله البطن الذي حمل أمثالك يا راكان، وبك وبأمثالك من نشامى الوطن سيبقى الوطن عزيزاً شامخاً باذن الله، إلا أن لنا كلمة تقف غصة في حلقنا، فنعم ربما كانت كميات الأمطار مهولة وغير مسبوقة وغير متوقعة بمثل هذا الحجم، وربما كانت البنية التحتية في العاصمة الأردنية قديمة في معظمهما وتحتاج لإعادة التأهيل، ولعلها كانت تذكرة لكل من نسي قدرة الله عزوجل بأن يتذكر ما حل بقوم نوح عليه السلام بالأمطار والفيضانات، وكيف لم يبق منهم على الأرض أحداً بسبب معاصيهم وفسادهم، فنسأل الله السلامة للجميع وأن يرحم من توفي ويصبر أهله >

ولن نخرج كما خرج الكثيرين لإنتقاد دولة رئيس الوزراء أو معالي أمين عمان وحدهم، أو هذا الوزير أو ذاك فالمسؤولية مشتركة، وإن كنا ملزمين بشهادة حق لمعالي وزير الداخلية الذي كان الوحيد الذي خرج للشارع لمتابعة عمليات الإنقاذ بنفسه، كما ننتظر كما غيرنا الكثير محاسبة كل من قصر في عمله ولم يتق الله فيه مهما كان منصبه، لكننا نعتبر المأساة الكبرى في الحقيقة ليس فيما جرى على الأرض في ذلك اليوم، وإنما في بعض التصريحات التي خرج بها بعض المسؤولين الكبار، والذين لم يكفهم عدم تواجدهم وقت العاصفة مع أبناء الشعب في الميدان والوقوف معهم ومساعدتهم، بل وأصروا على الإستهتار والإستخفاف بهم لأبعد درجة.

فبدلاً من أن تخفف معالي وزيرة التنمية الإجتماعية من مصاب من فقد عزيزاً بسبب العاصفة تتسائل مستغربة ومالذي أجبره على السكن في التسوية !! وبدلاً من أن يقول معالي الأمين كلمة تخفف من مصاب هؤلاء يستغرب هو الآخر مع مساعده كيف يستعمل المواطنين الأنفاق وقت المطر، ويتسائل معالي الأمين كيف يسكن المواطنين الطوابق السفلية وكأنه لا يعلم بأن الأمانة التي يحمل مسؤوليتها هي من رخصتها لهم !! ليكملها على المواطنين أحد المذيعين الجهابذة بأروع تحليل بأن السبب في ماجرى ليس إلا إلقاء المواطنين لأكياس البطاطس “الشيبس” على الأرض !

ونستغرب كيف تكون قواميس اللغة مليئة بالكلمات الطيبة التي حاد عنها كل هؤلاء، ولم ينجحوا في إيجاد كلمة واحدة حتى لو “يضحكون” فيها على ذقن المواطن الضعيف للتخفيف عليه من مصابه ومواساته فيه، وكم كنا نتمنى لو لم يتحفونا بمثل هذه الكلمات التي لا تدلل إلا على قناعتهم بأن من واجب المواطن اليومي حفظ مشهد الممثل عادل إمام في مسرحية الزعيم الذي يدعو فيه للمسؤولين “اللهم إفقرنا وإغنيهم وخذ مننا وإديهم”، فمن إعتاد النظر للشعب من شباك قصره بالتأكيد لن يرى من يسكن التسوية منهم، ولا ندري هل سيعتبر هؤلاء من الشعب أم لا إذا ما رآهم.

وليت من أنعم الله عليه بتناول الطعام الفاخر ولبس الثياب الفارهة أن يتذكر أن هناك من يعيشون حياة يتمنون فيها أكل قطعة من الدجاج ولو لمرة واحدة في الشهر، فإن عجز عن تقديمها لهم فأقلها أن يكون قادراً على تقديم كلمة طيبة لهم لعلها تخفف ألمهم أو ليصمت.

م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران