أيا عيناي …!

2016 01 24
2016 01 24

Abdulrahman Badran 08-2015 (2)الساعة تشير إلى الثانية عشر ظهراً من يوم الثلاثاء ونحن مع زملائنا في الشركة نتابع عملنا كالمعتاد، لكن الفرق كان أن الوالد قد أرسل لنا رسالة من “الصين” عبر الخلوي يخبرنا بدخول الوالدة غيبوبة كاملة منذ الصباح، سارعنا لفتح ملف جديد وبدأت اليدين تكتب “جفت الدموع ورفعت القلوب” لا ندري لماذا، لكن ما كنا نشعر به هو أن دقات القلب كانت تتسارع والعيون تتنقل من مكان لآخر ثم تحاول الاختفاء عن كل ما حولها، حتى دقت الساعة الثانية والنصف ظهراً ولم نكن قد أكملنا خاطرتنا التي إحتجنا بعدها ليومين لاكمالها، بعدما وصلتنا رسالة نصية في الثالث عشر من أيلول/سبتمبر من العام 2005م من الوالد تخبرنا بأن سيدة القلوب قد غادرت هذه الدنيا وحيدة، غادرتها رحمها الله تاركة وراءها رفيق دربها وولدها الوحيد وخمس زهرات، وللحقيقة كان الأمر متوقع قبلها بفترة، لكن الحقيقة الأكبر هي أنك مهما توقعت هذه الحقيقة إلا أنك لا تحب تصديقها ولا تقوى على مواجهتها مهما كنت من الصلابة والقوة، ولا إرادياً دخلنا في معركة مع الدموع نهزمها تارة وتهزمنا تارات حزناً على إبتعاد شجرتنا الطيبة التي كانت تملأ أرجاء حياتنا بأطيب العبق، ولعله خوفاً من المجهول الذي لا نعلم كيف سيكون!

مرت الأيام سريعة، وهاهو السبت الثاني من تموز/يوليو 2011م نسارع فيه لكتابة مقالتنا “قبلة على جباه آبائنا” ونرسل أحد روابطها إلى الوالد مباشرة، كانت رسالة عامة لكل الآباء لكن بعض سطورها كانت خاصة لوالدنا تحديداً وهو الذي كان يستعد للسفر بعد يومين للعلاج، ذهبنا لزيارته في بيته وألححنا عليه فتح بريده وقراءة تلك السطور ولم نطمئن إلا ونحن نراه يقرأها بنفسه حتى النهاية، ثم أوصلناه للمطار بعد ذلك يومين طابعين قبلة وداع على جبينه، هز رأسه يومها وكأنه يخبرنا بلحاقه برفيقة دربه التي سبقته بأعوام ستة، لتأتي المفاجأة بعد عودتنا للمنزل مباشرة، إتصال من والد الزوجة من العاصمة الأردنية يخبرنا بأن الوالد قد غادر هذه الدنيا بالفعل بعد ساعة فقط من وصوله أرض الوطن التي غاب عنها 26 عاماً مغترباً وعاد إليها فقط لتكون مسكنه الأخير

كانت لحظات لا توصف وقف فيها الولد الوحيد وزوجته وشقيقاته الخمس أمام الحقيقة المرة، أمام خيارين لا ثالث لهما إنهيار بناء كل شئ أو مواصلة البناء فوق كل شئ، واليوم وبعد مرور السنين على تلك اللحظات والأيام هاهو بفضل الله ولي عهدنا الذي أكرمنا الله به بعد فراقنا لأغلى الأحباب يقارب عامه الثالث، وهو الذي حمل من جده إسمه الأحب إلى قلبه ولعله يحمل منه أجمل ما كان يحمل من قيم وأخلاق رحمه الله، وهاهي تشرق في حياتنا من حملت من جدتها رحمها الله طيب عبق إسمها، ولعلها هي الأخرى تحمل منها جميل ما فيها من عطر ذكرى وعظيم وفاء، تلك التي إكتمل بها عقد النرجس حول أعناقنا مع إشراقة صباح ثاني أيام العام 2016م لتأتي هذه الكلمات المتواضعة في ثاني مقالاتنا لهذا العام.

كلمات بسيطة جاءت كرسالة صغيرة لمن فارقتنا أجسادهم ولم يفارقوا أجسادنا لحظة واحدة، لمن حملونا يوماً لم نكن نقوى فيه على سند أنفسنا، ولمن علمونا نطق أول الأحرف في حياتنا، حق لهم علينا أن نبقى نرسل لهم الأحرف المغلفة بالمحبة وتجديد الوفاء، لنقول لهم من خلالها إطمئنوا يا جذر الطيب والأصالة والوفاء، فهاهن زهراتكم ينعمون بحدائقهم الممتلأة بأجمل الأزهار والورود، وهاهي آخر العنقود شهد الحياة تنثر طيب شهدها على الجميع وتواصل مسيرها في طريق المحبة والوفاء والنجاح والتميز، وها نحن معهم نسير على مبدأكم في الصبر والتحمل وفي التصميم والإرادة، وفي فعل كل شئ نقدر عليه في مرضاتكم وترسيخ ذكراكم الطيبة.

هي كلمات تكتبها يدين تعلمت أن هذه الحياة ليست أكثر من رحلة لا تكاد تبدأ حتى تنتهي، ليست أكثر من تسليم راية ممن يحملها لمن بعده وكل من فيها حامل ومحمول، رحلة لا يبقى منها إلا ما نعيشه من حب ووفاء وإحترام وطيب كلام.

كلمات نرسلها من خلف جدران هذه الحياة إلى تيجان رأسنا الذين يقضون أيامهم خلفها، لمن رافقناهم سنوات طفولتنا وشبابنا، لمن كنا بكل جهل نغضبهم ونزعجهم تارة وبكل عقلانية نفرحهم وندخل السعادة في قلوبهم تارة أخرى، لمن لا نقول لهم أنهم قرة أعيننا، بل هم كانوا وسيبقون العين بأكملها التي رأينا من خلالها وسنبقى نرى كل ما هو جميل في هذه الحياة.

نقول لهم أيا عيناي صبراً فما في هذه الدنيا أمام القلوب الطيبة معظمه هباء، أيا عيناي رفقاً لعله يتجدد يوماً مع الأحبة اللقاء، أيا عيناي ورب الأرض والسماء ما لهج اللسان بذكركم إلا بأطيب وأصدق الدعاء، وقسماً نجدده لكم في كل صباح ومساء أن نبقى سائرين باذن الله على درب ودكم ومحبتكم والوفاء لكم فوق كل أرض وتحت كل سماء.

وهمسة قبل الختام في أذن كل من يعيش له والد أو والدة في هذه الحياة، لا تكن كالطير الذي غاب ليبحث عن هدية لوالديه فعاد ليجدهم قد فارقوا الحياة، فلا هو إستفاد من الهدية التي جلبها لهم ولا هو كسب رضاهم، فلا هدية أجمل ولا أروع عندهم من قبلة تطبعها على جبينهم وكلمة طيبة ترسم بها إبتسامة على وجوههم، ولا نغمة أجمل من “الله يرضى عليك” تطرب بها مسامعك، وتذكر قبل أن تفكر بالتكبر والتجبر عليهم كيف كان جوف والدتك سكنك الذي يحميك باذن الله وتنام به مطمئناً في أول شهور حياتك قبل أن تخرج لنور هذه الحياة وكيف كنت تتغذى من غذاء جسمها، وتذكر من أي صلب جئت إلى هذه الدنيا إن كنت تبحث عن مرافقة التوفيق في هذه الحياة”

  م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران