أي قصة …!

2016 04 06
2016 04 06

Abdulrahman Badran 08-2015أي قصة هي الأكثر أثراً في حياتك؟ سؤال توجهت به إلينا أصغر شقيقاتنا قبل عدة أيام، لتأتي إجابتنا على السؤال المباغت بأن قصة حياتنا التي عشناها ربما تكون هي هذه القصة، لكننا جلسنا بعد ذلك للتفكير بعمق في السؤال، وعندها وجدنا أن هناك كثير وكثير من القصص التي مرت في حياتنا وتركت أثراً كبيراً فيها، لكن قصة واحدة توقفنا عندها كثيراً.

تلك هي قصة ذلك الرجل العربي الذي ولد يتيم الأب بعد أن فقده قبل أن يفتح عينيه على الحياة، ثم فقد والدته بعد ذلك بست سنوات، ومع ذلك لم يفقد الأمل وواصل طريقه نحو نجاحه وتميزه وتحقيق هدفه في حياته، ولم يجلس أسيراً لفقره وحاجته بل شمر عن ساعديه وخرج للتجارة بأمانة وصدق، ولم يتحرج من العمل بأمانة وشرف مع إمرأة كانت من أنجح التاجرات في ذلك الزمان، بل وكان درساً في ترسيخ إحترامه للمرأة حتى وهو يتزوج تلك المرأة التاجرة وهي تكبره بخمسة عشر عاماً، وهو الذي فقد جميع أولاده الذكور الثلاثة على التوالي وهم صغار بالكاد أكمل أحدهم العامين، ومع ذلك كفكف دموعه وصبر وإحتسب وكان يحسن ظنه بربه عزوجل ولسانه لا يفارق “الحمد لله على كل حال”، حتى وهو يفقد بعد ذلك ثلاثة من بناته بعد زواجهن فلا يتبقى له سوى إبنة وحيدة ومع ذلك عاش يبحث عن مسح دموع غيره ومداواة جراحهم، وهو الذي لم ينظر للمعوقات والاساءات والعقبات مهما كانت كبيرة أمامه، فوصفه البعض بعد فقدانه لأولاده بأصعب ما يوصف به الرجل وهو البتر لعدم وجود من يحمل إسمه من بعده، ومع ذلك كان يصبر ويحتسب ويؤمن أن وراء إختيار الله عزوجل الخير كله دائماً مهما كان صعباً، ولأنه كان واثقاً من نيته الخالصة الصادقة مع ربه عزوجل لم يهتم لمن وصفه بالجنون، ولم يؤثر فيه من رماه بالسحر ولا من رماه بالحجارة حتى سالت دماءه الشريفة، ومع ذلك كان لا يقبل أن يدعو على كل هؤلاء وغيرهم ممن عادوه وحاربوه بل وكان يدعو لهم بالهداية والمغفرة، وهو الذي عرفنا من قصته معنى أن يكون الأب حنوناً على أولاده وبناته يعطف عليهم ويحرص على رعاية شؤونهم بنفسه، وهو الذي كان يحمل من العاطفة أجملها تجاه زوجاته برغم زواجه من ثلاثة عشر إمرأة في حياته، إلا أن ذلك لم يمنعه من تأدية حقهن والاجتهاد في العدل بينهم، ولا تأدية دوره معهن كزوج رومانسي لا يخفي عاطفته ومحبته تجاههم حتى آخر ساعات حياته، وهو الذي عاش حياته مناضلاً مجاهداً في سبيل الحق ودفع الظلم عن المظلومين، رافعاً راية المحبة والسلام لجميع البشر التي لا فضل فيها لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وهو الذي كان يحمل في قلبه من الرحمة ما تجاوز البشر والكائنات الحية حتى إلى الجماد، وهو من وصفه خادمه الذي عمل عنده عشر سنوات بأنه لم يضربه أو يسبه أو حتى يعبس في وجهه فيها أبداً !

وهو الذي رسخ باب تقديم درء المفاسد على جلب المنافع، عندما كان مستعداً للتنازل عن أي لقب أو صفة في عقد الاتفاقيات مع أعدائه درءاً لأي مفسدة وتحقيقاً للمنفعة الكبرى دائماً، وهو الذي لم ينسى حتى في آخر لحظات حياته أن يوصي من بعده بأداء واجبهم تجاه خالقهم بالصلاة والإحسان لمن بين أيديهم من النساء.

والحقيقة أنه وبعد التفكير العميق لم نجد قصة عرفناها في حياتنا تركت أثراً في كل تفاصيلها أكثر من هذه القصة، قصة ذلك الانسان الذي رأينا في قصته كل معاني الصبر والجلد والتحمل، والحلم والقوة والحنان، والحب وطهارة القلب واللسان، والايثار والقوة والنقاء وكل مكارم الأخلاق، قصة سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء، نبينا وحبيبنا وقدوتنا وقائدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، والذي جاء بروعة قصته أجمل مسك ختام لروعة قصص كل من سبقه من الأنبياء عليهم أفضل سلام وأتم تسليم، فهل بعد كل هذا سيكون هناك قصة أكثر أثراً في حياتنا نجيب بها برأيكم على شقيقتنا الغالية.

م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران