إلى الأعلى …!

2016 05 25
2016 05 25

Abdulrahman Badran“إن هذه الثورة العربية تشمل كل عربي كائناً من كان وإنني أقاتل من أجل ديني وبلادي وأهلي”، بهذه الكلمات إنطلقت رصاصة الحرية الأولى من يد الشريف الحسين بن علي من شرفة قصره قبل 100 عام معلنة الثورة العربية الكبرى فجر التاسع من شعبان من العام 1334 هجرية العاشر من حزيران/يونيو 1916م، رافعة رايتها بلونها الأبيض رمز الدولة الأموية، والأسود رمز الخلافة العباسية، والأخضر رمز الخلافة الأموية بالأندلس، إضافة إلى الأحمر رمزاً للثورة والتحرر، لأجل تحقيق حلم الدولة العربية التي تجمع شمل كل العرب بكافة دياناتهم وأطيافهم بقيادة عربية هاشمية تحفظ كرامتهم وحقوقهم وترفع كل أشكال الظلم والاستبداد عنهم، ومجسدة التآخي المسلم المسيحي بمقولة قائدها الشريف الحسين: “لا فرق بين العربي المسيحي والمسلم فكلاهما أبناء جد واحد”، وهي المبادئ الهاشمية الكريمة التي قامت عليها وإستمرت المملكة الأردنية الهاشمية منذ إعلان إستقلالها يوم الخامس والعشرين من آيار/مايو 1946م على يد الملك المؤسس عبدالله الأول إبن الشريف الحسين، ولذلك كان هذا اليوم ليس مجرد يوم عادي بالنسبة لكل محب للوطن، ففيه تجسد قيام هذه المملكة من خلال ثورة عربية إنطلقت لأجل كل العرب ، وتأسس فيها جيش عربي لكل العرب من خلال الملك المؤسس ومن معه من الأحرار من أبناء الأرض الأردنية والأمة العربية، وهو الجيش الذي أطلق عليه الملك المؤسس مسمى “الجيش العربي” عندما قال فيه: “بمناسبة إستخدام الجيش العربي هذه الآونة في الأقطار العربية المجاورة وذيوع سمعته وأعماله الطيبة لدى الأمم المتحدة والحليفة وغيرها، وتمييزاً له عن جيوش الأقطار العربية الأخرى قرر مجلس الوزراء الموافقة على أن يطلق عليه إسم الجيش العربي الاردني”، وهو ما يؤكد حمل الهاشميين للهم العربي منذ إنطلاقة أول جندي من جنود ثورتهم العربية الهاشمية، الأمر الذي أكده الملك المؤسس بعباراته التي خاطب بها أهل مدينة معان عند إستقباله من قبل أهلها وأعيانها في العام 1920م: “فاعلموا أن ما جاء بي إلا حميتي وما تحمله والدي من العبء الثقيل، فأنا أدرك أن الواجب علي، ولو كان لي سبعون نفساً لبذلتها في سبيل الأمة، وما عددت نفسي فعلت شيئاً، كونوا على الثقة بأننا نبذل النفوس والأموال في سبيل الوطن”.

هذا البذل والعطاء الذي يجعلنا نرى اليوم على إمتداد مساحة 89,342 كيلومتر مربع شمال الجزيرة العربية حديقة غناء غنية بكرم أهلها وطيب أخلاقهم، وثرية بابداعات وتميز بناتها وأبنائها من كافة الديانات والأطياف والألوان من كل محافظاتها الاثني عشر، إربد والبلقاء والزرقاء والطفيلة ومادبا والكرك وعجلون وجرش والمفرق ومعان والعقبة وواسطة العقد العاصمة عمان، وهاهي اليوم بعد 70 عاماً من إستقلالها تنتفس هواء كل العرب وتضم بين جنباتها من كل أطياف العرب، وهي التي عمل ثاني ملوكها الملك طلال بن عبدالله على ترسيخ العملية السياسية والممارسة الديمقراطية فيها بعد إستلامه للحكم في العام 1951م بقوله: “يسرني أن تكون فاتحة عهدنا تعديل الدستور الأردني وفق الاوضاع الدستورية السائدة في العالم”، ولتستمر صامدة بعدها بوجه كل الحروب والاضطرابات والمؤامرات التي كانت تعصف من حولها بكل شدة منذ تأسيسها، فإحتلال معظم فلسطين في العام 1948م، والانقلاب على الحكم الملكي الهاشمي في الجارة الكبرى العراق في العام 1958م، ونكسة العام 1967م وما نتج عنها من إحتلال بقية أرض فلسطين بما فيها الضفة الغربية والقدس الشريف بعد أن كانت منضمة للحكم الأردني منذ العام 1948م، وما تخلل ذلك ولحقه من مخططات ودسائس ومكائد متعددة داخلية وخارجية كان أصغرها كفيل بزعزعة إستقرار المملكة وتساقط أركانها لولا رسوخ العقيدة الهاشمية العربية المخلصة للوطن وأهله والتي قامت عليها هذه الأركان، وليستمر الوطن يداً واحدة في وجه كل أعدائه بقيادته وجيشه وشعبه من أجل بناء الوطن والحفاظ عليه، هذا البناء الذي سار في دربه باني الوطن الحسين بن طلال ثالث ملوكه راسخاً ثابتاً 47 عاماً واضعاً كل الثقة في شعبه وجيشه الذي قال فيه يوماً: “جيشنا المصطفوي منذ كان نشأ في ظلال رايات الثورة العربية الكبرى التي بشرت أمة العرب بمبادىء الحرية والوحدة والاستقلال”، وليكمل من بعده جلالة قائد البلاد الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله المسيرة منذ إستلامه للراية الهاشمية قبل 17 عاماً، مثبتاً إنتقال المملكة إلى التطور والحداثة في معظم دروبها، ومحافظاً على كرامة الانسان الأردني والعربي فيها، ومرسخاً ذلك بمقولته للجيش العربي الأردني:” إن الشعار الذي على جباهكم مكتوب عليه الجيش العربي، وهذا الاسم لم يكن صدفة أومجرد شعار، وإنما هو تأكيد على إلتزام هذا الجيش بالدفاع عن قضايا الأمة العربية وترابها وأمنها من أي خطر”، وهانحن اليوم نرى الوطن بقيادته وجيشه والمخلصين من بناته وأبنائه مازال برغم كل الآلآم والجراح والحروب والحرائق المحيطة به من كل جانب يجتهد في رسم الابتسامة على وجه كل المنتمين لترابه، ولذلك فان واجب كل فرد منا الذي لا فرار منه الاستمرار في زرع وردة في كل ناحية من أرجاء هذا الوطن، والحفاظ على وروده وسقيها بأجمل الابتسامات لا إقتلاعها وتدميرها، ولن يتحقق ذلك إلا بمحافظتنا على أخلاقنا ورقي تعاملنا، وتقبلنا وحلمنا وصبرنا على بعضنا البعض، والعمل دائماً على إعطاء أجمل وأرقى الصور عن ديننا ووطننا وأهلنا أينما كنا، ليبقى الأمل حياً دائماً بالحفاظ على هذا الوطن واحة آمنة مستقرة، وسقي الوطن بماء عيوننا مع دمائنا عندما نراه محتاجاً للفداء، لأجل الحفاظ على كل حبة من ترابه الغالي الذي إرتوى بدماء المخلصين من أبنائه من أمثال معاذ الكساسبة وراشد الزيود رحمهما الله، وكل من سبقهم أو سيلحق بهم على طريق الشهادة فداء للوطن وأهله وقيادته.

هي أوطاننا تماماً مثل أراوحنا تبقى قوية صلبة كلما كان من فيها يحفظونها بنور أعينهم ويعملون على رفعتها بكل طاقاتهم، وتصبح هشة ضعيفة إذا ما أصبح من يفترض بهم حمايتها ينهشون بها من كل جانب، فبأيدينا نحفظ باذن الله حدود المملكة الأردنية الهاشمية حدوداً لا نهاية لها للعطاء والجود والكرم والشهامة، وحصناً منيعاً تتكسر على أطرافه كل أوجه الإرهاب والتطرف والإجرام وليبقى وطننا دائماً باذن الله يسير بمجده العالي إلى الأعلى.

م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران