إلى الحركة الإسلامية، رغم كل الشكوك
علاء الفزاع

2013 05 18
2013 05 18

45قبل أكثر من عامين وجهت بصفتي مواطناً أردنياً متوجساً من الحركة الإسلامية 3 أسئلة في مقالة خاطبت فيها الحركة الإسلامية.

الأسئلة كانت تتعلق بالموقف الغامض للحركة من الهوية الوطنية الأردنية ومخاوف الوطن البديل، وبنزعة الاستبداد عند الحركة الإسلامية، وبالبرنامج الاقتصادي للحركة.

اليوم، وبعد عامين من التجربة في الأردن وفي دول أخرى، أصبحت الشكوك أقرب إلى اليقين، وأصبح الموقف المناقض للإخوان أكثر مصداقية وقوة. وبعد الاعتصام الذي دعت إليه الحركة الإسلامية أمام المخابرات أصبحت تلعب بالنار، وثارت في وجه الإخوان موجة احتجاجات قوية جداً جاء معظمها من قوى حراكية وليس من قبل قوى مؤيدة للنظام، وهو ما لم يثر لدى أنصار الحركة الإسلامية ما يكفي من الأسئلة للأسف، مكتفين بتوزيع الاتهامات كعادتهم.

حتى نخرج من الشكوك التي أصبحت أقرب لليقين، دعونا نطرح معايير عملية تكون هي الفيصل بيننا وبين الحركة الإسلامية.

أولاً، بالنسبة للهوية الوطنية، لماذا تتبنى الحركة الإسلامية الحديث عن رفض سحب الجنسيات وهو لم يكن إلا بعدة آلاف من الحالات، ينظر أمام القضاء عدد منها فيما لم يعترض معظم من سحبت منهم الأرقام الوطنية، في نفس الوقت تتجاهل الحركة الإسلامية كلياً ملف التجنيس السياسي رغم أنه يصل إلى عشرات الآﻻف؟ ولماذا حصل خلاف داخل الحركة الإسلامية حول هذا الملف؟ ولماذا تصر الحركة الإسلامية على الوقوف في وجه كل المطالبات بإنهاء تداخل الجنسيات بين الأردن والضفة؟ حتى على مستوى المطالبة بوضع قانون للجنسية يضع كل ما يتعلق بالجنسية في يد مجلس الوزراء، لا تتجاوب الحركة الإسلامية. لماذا؟ لا نريد أن نتحدث عن الأجواء المثيرة للريبة داخل الحركة الإسلامية والتي يعرفها جميع المطلعين، وهي الأجواء التي تتحدث بروحية المحاصصة والتي تتحدث باستمرار عن قانون انتخاب يعتمد الكثافة السكانية، رغم أن المطالب المعلنة غير ذلك. ولا نريد أن نتحدث عن عدم وجود مؤشرات على أجواء لا تعترف بالأردن داخل الحركة، رغم التاكد من ذلك، ولكن لنتحدث عن الملموس لا عن النوايا.

قبول الحركة الإسلامية لإجراءات عملية في هذا الملف يسقط أول نقطة اعتراض عليها، وهو اعتراض يطرحه أيضاً تيار مؤثر داخل الحركة الإسلامية نفسها، وجد نفسه مضطراً للتحرك ضمن إطار مبادرة زمزم بعد أن أعيته المحاولات داخل جسم التنظيم، وبعد ان قضت الحركة أول 6 شهور من عام 2012 في مناقشة الاعتراف بقرار فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، لتنكفئ بعد ذلك عن المسالة برمتها. والأسوأ من ذلك أن ذلك التيار المهيمن داخل الحركة اليوم يرهن قرارات الحركة لصالح تحالفاته الخارجية لا لصالح أولوية الساحة الاردنية.

ثم ان الحركة مطالبة وبكل وضوح أن تقنع الشارع أن أولوياتها أردنية وليست مرتبطة بمخططات دول معينة، أو تنظيمات معينة. ويأتي ذلك بتبني مواقف تعتمد المصالح الأردنية بالدرجة الاولى.

ثانياً، نزوع الإخوان للسيطرة المطلقة، والنزعة القوية جداً لديهم لإقصاء كل من يختلف معهم أو عنهم. لم يعد هذا الانتقاد حكراً على خصوم الإخوان، بل اصبح انتقاداً شعبياً بعد استئثار الإخوان بصياغة دستور مصر، وبعد خطواتهم في أخونة الدولة، وبعد ما جرى في الأردن في الحراك، حيث سجلت الحراكات الشعبية ملاحظات نقدية قاسية على الإخوان، منذ 21\1\2011 (أي أول مسيرة شارك فيها الإخوان وأصروا يومها على رفع أعلام الإخوان رغم أن جميع القوى الاخرى رفعت الأعلام الأردنية)، ومروراً باعتصام 24 آذار، وبالخلافات داخل حراك إربد، وذيبان، والطفيلة، وحي الطفايلة وغيرها. وكانت نقابة المعلمين معلماً بارزاً على نزوع الإخوان لإقصاء كل اﻵخرين دون استثناء، بإصرارهم على نظام انتخابي في النقابة يخالف ما يطالبون به في مجلس النواب، حيث يؤهلهم لتأبيد سيطرتهم على النقابة. حتى الفيديو الذي أنتجه مجلس النقابة الإخواني عن تاريخ حراك المعلمين تمت فيه سرقة التاريخ بشكل مستفز للإيحاء بأولية الإخوان في حراك المطالبة بالنقابة، رغم أنهم تأخروا في المشاركة.

الأكثر من ذلك أن الإخوان أنفسهم مثال حي على نزعة إقصائية بشعة، حيث يستأثر تيار واحد بكل الهيئات القيادية في الحركة بأغلبية انتخابية بسيطة، مستخدماً سلطته تلك لإقصاء التيار المنافس تماماً. عموماً يبقى ذلك شأناَ إخوانياً داخلياً.

إذا قدم الإخوان مبادرة في نقابة المعلمين فإن ذلك يعتبر بداية في التخلص من النزعة الإقصائية. ليس مطلوباً من الإخوان أن يتنازلوا عن مقاعد حصلوا عليها بوزنهم الانتخابي، فهذا حقهم، لكن المطلوب منهم ألا يكيفوا قواعد اللعبة (نظام الانتخاب في نقابة المعلمين، وفي نقابات أخرى) بما يناسب مصالحهم وحدهم.

ثالثاً، الإخوان لا يكتفون فقط بالعموميات فيما يخص البرنامج الاقتصادي، ولكن أيضاً فإن المؤشرات غير مريحة، حيث يبدو أن الإخوان ينحازون للاقتصاد الحر، ولا يعترضون على بيع مقدرات الدولة كمبدأ، ولكن يعترضون على ظروف البيع، كما لا يبدون تشدداً مع الطبقات الغنية، إلى الحد الذي اعتبرت فيه رسالة الإخوان إلى حكومة عبدالله النسور مؤخراً ان الضريبة التصاعدية تؤثر سلباً على الاستثمار. الإخوان يتحدثون عن العدالة الاجتماعية، ولكن حديثهم فارغ فعلياً من المضمون.

تبني الإخوان لنقاط أكثر وضوحاً، وتفصيلهم للنقاط الواردة في خطتهم الإصلاحية للعام 2005، وتبنيهم العلني للضريبة التصاعدية ولبرنامج اقتصادي يحمي الطبقات الأقل حظاً في المجتمع ويعترف بدور رئيس للنقابات العمالية، ذلك كفيل بإزالة المخاوف الطبقية من الإخوان.

أود ان أوجه إلى الإخوان وأنصارهم نصيحة صادقة ومخلصة -رغم كل ما دار بيننا قبيل اعتصام الإخوان الملغى أمام المخابرات-مفادها أنهم يمكنهم أن يكتسبوا ثقة اكبر، وأن يقللوا من العداوات والخصومات، وربما أن يكسبوا بعض الحلفاء، إن عالجوا ما ذكر أعلاه، وغيره مما يتحدث به مراقبون عن الإخوان، فحجم الانتقادات اليوم أصبح أوسع بكثير من أن يتم اختصاره بالتبويات الإخوانية التقليدية: هؤلاء عملاء مخابرات، وأولئك ملحدون، وأولئك سحيجة، وأولئك مغرر بهم. وليتذكر هؤلاء أن الإخوان بيتهم من زجاج،  ويمكن أن يقال الكثير الكثير عن تحالفاتهم مع النظام وعن استفادتهم من النظام ومن المخابرات بطريقة أو بأخرى، وحتى وقت ليس ببعيد. في مصر استغرق الإخوان في وصم خصومهم بأنهم “فلول”، ليصبح في النهاية قطاع معارضي الإخوان باتساع يعني فعلياً أن القوى المؤثرة الرئيسة في المجتمع المصري هي في بند “فلول” في تصنيفات الإخوان الذين خسروا حتى بعض حلفائهم في مصر، كما في الأردن.

الأسئلة اعلاه تنطلق من حاجات على الأرض، وستفرض نفسها بقوة الواقع لا بقوة الفرض من قبل أية جهة، وإن تأخرت الحركة الإسلامية في التجاوب معها ومع غيرها من الملاحظات فإنها هي الخاسرة.

وأود كذلك أن أوجه لنفسي ولخصوم الحركة الإسلامية كلاماً أحاول أن أتذكره في الأوقات الحرجة: الحركة الإسلامية حاجة وطنية أردنية. الحركة الإسلامية ضامن مهم جداً لعدم تغوّل التيارات التكفيرية. يعلم المختصون أن الإخوان هم خزّان بشري للحركات التكفيرية وللسلفية الجهادية، أو كما يصفها باحث: في أوقات التسامح تتوسع جماعة الإخوان، وفي أوقات القمع والتضييق على الإخوان وانعدام الآفاق السياسية ينزاح الطيف باتجاه التشدد، حيث ينزح جزء كبير من شباب الإخوان إلى التيارات التكفيرية والسلفية، خصوصاً وأن نسبة لا بأس بها من شباب الإخوان يتعاطفون مع السلفية الجهادية. وبلغة أخرى  فإن الإخوان هم تعبير معتدل ومشروع عن نوازع قطاع لا بأس به من المجتمع والشباب باتجاه الإسلام السياسي، وفشل أو إفشال ذلك التعبير والتضييق عليه سيدفع من يخرجون منه إلى أحضان التيارات التكفيرية والمتشددة بكل أشكالها.