الأردن إلى أين – د. مراد الكلالدة

2014 06 30
2014 06 30

كلالدهعرفت الشعوب أشكال متعددة من تدرج السلطة بين الكائنات الحية، فجلس على قمة الهرم تلك الكائنات التي إمتلكت القوة العقلية فالجسدية، هذا بالنسبة للعلاقة الثنائية بين كائنين، التي يخضع فيها أحدهما لسلطة الآخر وبالتالي لإستغلاله، فماذا لو تشعبت العلاقة بين الكائنات التي تعيش في مجموعات من خلال تنوع وسائل الإنتاج المادي منه والمعنوي، فكيف ستنظّم العلاقة بينهم، سؤال برسم الإجابة ولن يُجاب عليه بشكل قطعي لأن السلطة نسبية وليست مطلقة، فحتى الأسد، ملك الغابة، يمكن أن يَضعُف ويصبح فريسه سهله للضباع، وسنركز حديثنا على المجتمعات البشرية.

لقد صنف العلماء المجتمعات في مراتب أو طبقات، إشتد وضوحها مع إستفحال العبودية (مُلك اليمين أو الِرق) حيث أصبح جسد الإنسان سلعة تباع وتشترى، ثم تحرر بعضهم في الإمبراطورية الرومانية بعد ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس (سنة 73 قبل الميلاد) وبقي البعض الاخر حتى يومنا هذا عبداً على الرغم من صدور قانون من الأمم المتحدة في العام 1981 يحرم تجارة البشر أو الرق.

إشكالية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ليست ببعيده عن مبدأ قوامة البعض على الاخر، إما بنص أو بعُرف، فالبعض يسميها (بيعة) والآخر يسميها (إنتخاب) إلا أنها تُعطي الشرعية التي تمارس تحت مظلتها جميع أصناف التحكم بالآخر.

ومع تطور المجتمع، إنتقلت المجتمعات الى عصر الإقطاع حيث إنقسم المجتمع الى مالكي وسائل الإنتاج (الأرض) والمشتغلين فيها (الفلاحين) ونشأت بينهم علاقة مصالحية ولو إلى حين، حيث ثار الفلاحون على أسيادهم كما حصل في روسيا القيصرية حيث تعاضد العمال والفلاحين وأمموا وسائل الإنتاج وتحصلوا على فائض القيمة التي كان يستحوذ عليها الإقطاعي أو الصناعي مما تسبب في توزيع الثروة وسيادة قدر أكبر من العدالة الإجتماعية. وقد أتخذ الشغيلة في مناطق أخرى من العالم منحى آخر لتحصيل حقوقهم عن طريق الإضرابات العمالية مما إضطر أصحاب العمل الى التنازل عن جزء آخر من أرباحهم من أجل الإبقاء على التوازن بين أطراف العملية الإنتاجية، كما هو الحال في العديد من الدول ومنها الأردن الذي وجد فيه الشغيله طريقهم الى إنتزاع بعض من حقوقهم عن طريق الإضرابات العمالية المنظمة.

ويعرف بأن هناك علاقة طردية بين الإحتجاج وشدته، فكلما زاد الشعور بالظلم، كثر التذمر المؤدي الى الإحتجاج اللفظي اولاً ومن ثم الجسدي المؤدي الى الثورة، فما هي الروابط التي تَحفظ هذه العلاقة من التفسخ أو تلك العوامل التي تؤدي الى التهدئة.

إنها الأدوات التي تستخدمها السلطة في إطالة أمدها بنفس الشروط المجحفة التي تؤمن لفريقها القدر الأكبر من المكتسبات، في مقابل فتات يلقى به على العامة. هذه الأدوات المؤطرة بشروط تعاقدية بين فريقين، الأول في السلطة، والثاني خارجها.

إنها ببساطة بهذا الشكل المجرد، حيث تختلف الشروط التعاقدية بين الحاكم والمحكوم وفقا لما يفرضه كل طرف من ثقل على طاولة التفاوض، وهذا ما يعرف بالكتلة الوازنة التي تفرض القدر الأكبر من شروطها.

إن من مصلحة كل من الفريقين أن يخلخل الكتلة الوازنة لدى الطرف الآخر، وبكل الوسائل الراقية منها أو القذره التي قد تصل الى القتل أحياناً.

إن المطالب لا تدرك بالتمني، وإنما تؤخذ الدنيا غلابا … ولهذا فإن على الناس إستيعاب هذه العلاقة بشكل جيد، والتصرف بموجبها لإنتزاع المكسب تلو الآخر، كمجموعة تناضل لمصلحة مشتركة، فهل يعقل أن لا تتساوى رواتب الموظفين العاملين في القطاع العام الذين يؤدون نفس العمل وبنفس المؤهلات، طبعاً لا … وهل على المستضعفين منهم القبول بالعمل في دائرة الأحوال المدنية مثلاً براتب 400 دينار للجامعي على سبيل المثال، بينما يحصل زميل له يعمل في المؤسسات المستقلة وتخرجا من نفس الجامعة على ثلاثة أضعاف هذا الراتب؟

إن مجرد القبول بهذا الوضع يعطي مؤشراً واضحا الى أن من هم في السلطة مطمئنيين للعلاقة مع الشعب الراضي بالتخلي عن قسم إضافي من حصته لتعطى الى من هم في أعوان السلطة المشتركين في تقاسم كعكتها.

وبالتطبيق العملي لأنماط هذه العلاقة، فإننا في الأردن نعيش في ظل دستور يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم في ظل نظام نيابي ملكي، بمعنى أن حكم الفرد مقونن في إطار بنود الدستور والقوانين والأنظمة المستنده اليه، وهذا ما يطلق علية إسم (النظام) الحاكم والذي يرتبط بطريقة أو بأخرى بمجموعة أخرى من الأنظمة الدولية التي تجعله يدور بفلكها.

وما يهمنا هنا هو التصنيف الإقتصادي لهذا (النظام) ومن هم أطراف الإنتاج فيه، حيث يتضح بأنه نظام رأسمالي فيه مُلاك لوسائل الإنتاج (الأرض والمصانع والخدمات) والشغيلة فيها، ولكن من أين للدولة التي تدير هذا النظام بالموارد المالية اللازمة لتغطية كلف الإدارة البيروقراطية والأمنية والصحة والتعليم.

إنه نظام الضرائب المعمول به منذ القدم، وهو حل معقول لا يحتم إختلال العلاقة بين طبقات المجتمع وشرائحه المختلفة، فلماذا إذن نجد الحراك المجتمعي، اللفظي منه والجسدي أصبح في إزدياد يوماً بعد يوم.

للجواب على هذا السؤال يتوجب علينا تبسيط الطرح مرة أخرى بالنظر إلى أطراف الإنتاج، فهل لدينا في الأردن رأسماليين- مقابل شغيلة، ويحكم فيما بينهم طرف محايد هو (النظام) كما في الغرب مثلاً، أم أن النظام قد تداخل مع رأس المال بحيث إختلت معادلة التوازن التي عشنا في كنفها لسنوات طويلة.

ولقطع الطريق على من يحاجج بأن النظام في الغرب محكوم بالشركات العملاقة والتي تفرز ممثليها في (النظام) من خلال الإنتخابات، وبالتالي لا يمكن فصل النظام السياسي عن النظام الإقتصادي، نقول بأن الحالة في الغرب ليست بالمثالية وما هي الا مرحلة ليست نهائية على سلم التطور المجتمعي والتي سيتبعها نظام أكثر تشاركية بدرجة متقدمة من العدالة الإجتماعية.

الأردن في نهاية المطاف دولة صغيرة لا تمتلك المواد الخام الكافية لبناء إقتصاد صناعي مستقل يعمل على نشوء سوق متوازنة بين طرفي الإنتاج، مما يستدعي تدخل الوسطاء لتوريد المواد والمعرفة اللازمة لإكتمال بعض حلقات الإنتاج … وهنا تنشأ الدهاليز التي يمر من خلالها الصناعي الى التشريع، والمشرع يفتح القنوات مع الجهات التنفيذية والقضائية، فيصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل الفصل بين السلطات.

هذه العلاقة المتشابكة تخلق (نظاماً) معقداً بات يعرف بالدولة العميقة التي لا تستطيع حتى الثورات الشعبية تغيرها كما حدث في مصر.

إن ما يزيد المشكلة في الأردن عما هو في مصر، هو الدستور الأردني الذي يعرف الحكم بالنظام النيابي الملكي، الذي إنخرط طواعية أو مجبراً في دهاليز التجارة لإفتقار الأردن الى الموارد الكافية لإقامة نظام رأسمالي كامل الملامح.

إن أي من المحاولات للزج بطبقات إضافية الى هذا الشكل المشوه من النظام الراسمالي، كالأحزاب مثلاً سيزيد من تعقيد المشاكل لأن الأحزاب تتشكل على قاعدة عقائدية، وليست إقتصادية وإلا لشكلت شركات بدلا من الأحزاب.

إن الدستور الأردني يحدد رأس السلطات الثلاثة بالملك الذي يستند الى فكرة إقامة المملكة على أنقاض الدولة العثمانية من خلال الثورة العربية الكبرى، وهي القيمة العظمى التي يستند اليها (النظام) Core Value وهي التي تعطيه الشرعية التاريخية بالاضافة الى الشرعية الدستورية.

وبذلك يصبح لدينا عدة أطراف في (النظام) هي العائلة المالكة، والسلطات الثلاث (تشريعية وتنفيذية وقضائية) والأحزاب والقطاع الخاص المنظم بغرف الصناعة والتجارة من طرف والشغيلة من طرف آخر، ولا ننسى الجيش والجهات الأمنية المرتبطة مباشرة بالملك كونه القائد الأعلى وفقاً لنصوص الدستور.

ما نود أن ننهي به هذه المقالة، هو أن الأفق السياسي الذي يزداد قتامة مع مرور الأيام، محكوم بالروابط المعقدة التي إنتجت الدولة العميقة في مقابل الشغيلة التي تتآكل مداخيلها لتغول (النظام) على حصتها من الناتج القومي الإجمالي، وان ما يسمى بالإصلاح ضمن الدولة العميقة هو ضرب من الخيال، وأنه لا بد من تبسيط العلاقة بين هذه الأطراف بإختزال بعضها وإعادة تموضع أطراف المجتمع كل ضمن مجموعته سواء كانت الإقتصادية أو العقائدية، على ان يبقى الجيش خارج جميع هذه الأطر بصفته حكماً بين الجميع وحافظاً لأمن المجتمع بكافة أطيافة.