الأردن الأستثناء

2015 05 25
2015 05 25

تنزيل (2)بعض التداعيات بمناسبة عيد الاستقلال …

أكثر ما يستفز الوطنية الأردنية ويغضبها تلك النظرية التي ترى أن الأردن كيان طارىء ودولة مصطنعة تم اقتطاعها من اطارها المحيط لتكون وطنا بديلا للفلسطينيين فلم تكن وطنا اصيلا لأحد . وثمة اقلام تمثل الوطنية الأردنية الأكثر عصبوية تبذل كل جهد للتنظير لحقيقة أن الأردن بشعبه وأرضه هو كينونة تاريخية عريقة سابقة لقيام الدولة الحديثة ويستدعون كل اشارة تاريخية تدعم وجهة نظرهم .

اي كانت الحقيقة، وهي بالضرورة نسبية فالاردن الحديث وشعبه يمثل بالفعل كيانا وطنيا راسخا بواقعه الجيوسياسي والديمغرافي وباحساس ابنائه بل أنه قطع وتجاوز المسافة التقليدية المتقدمة للوطنيات الشقيقة في القاهرة ودمشق وبغداد وفي ذروة المد القومي حين كان الجميع يشترك في الانتماء العروبي ورفض القطرية كان الهامش للوطنية العراقية والسورية والمصرية حاضرا ومفهوما لا يدين اصحابه باستثناء الأردن الذي عوملت وطنيته باستخفاف ونكران ويعرف ذلك الأردنوين من الطلبة والسياسيين في المنافي خارج الأردن في تلك الحقبة. ومع المد الآسلاموي ثم الطائفي الراهن تقف الوطنية الأردنية افضل من أي من الشقيقات في وجه التفتيت وتدمير الدولة الوطنية.

بمراجعة رؤيوية ولنقل بمزاولة الحكمة بأثر رجعي نقدر فضل الملك المؤسس وكم نحن مدينون لحكمته وأدائه في مواجهة ما عصف بالمنطقة منذ الحرب العالمية الأولى وسقوط الأمبراطورية العثمانية. لم تكن صدف التاريخ وحدها. الملك المؤسس عبدلله الأول بن الحسين بن علي كان أكثر اخوته دهاء وبراغماتية وكان لديه كما أستشعر من مذكراته روحا محافظة واضحة والحنكة والبراغماتية كانا يمسكان بالجموح الذي يطلقه الطموح العميق لقيادة المشرق العربي. وقد كانت موازين القوى مائلة بصورة فادحة لا تساوي امامها شيء امكانات الأمير فعكف على رعايته حدود الامارة ثم المملكة وأورث كل الحنكة والواقعية والمرونة والانسانية ايضا لحفيده الملك الباني الحسين وها نحن نمتحن هذه الصفات في قيادة عبد لله الثاني خلال عقد ونصف اصبح الأردن في آخرها الاستثناء في المنطقة بحفاظه على الأمن والاستقرار والثقة مقرونة بالاعتدال والديمقراطية.

اذا لم تكن نظرية غلاة الوطنية الاردنية صحيحة عن تاريخ هذا الكيان فمن الأكيد ان 96 عاما على الاستقلال طورت كل يوم وبعد كل أزمة الاحساس بالانتماء المشترك والمصلحة المشتركة والمصير المشترك وكل عناصر الهوية الوطنية للآردنيين فوق الهويات الفرعية التي ليس ضروريا انكارها فحتى الانتماء لحي أو قرية يعطي هوية فرعية ما للفرد لكنها لا تضرب ولا تتقدم على الهوية الوطنية الجامعة.

من المفارقات أن الأردن كان دائما وفق التكهنات والسيناريوهات الكيان الأكثر عرضة للاختفاء وفق تقسيمات محتملة أو مشاريع تطبخ للمنطقة بينما هو الآن الكيان الأكثر رسوخا واستقرارا مقابل التكهنات القوية بانهيار وتفسخ كيانات شقيقة من حولنا. ولعل الايمان بالوطن والكيان والدولة التي اورثها لنا الملك المؤسس لم تكن في اي يوم كما هي عليه الآن، بل أن الرهان هو على صمودنا نحن كحجر زاوية راسخ لعبور هذه المرحلة العصيبة واستعادة عالمنا العربي عافيته .

جميل النمري