الأردن.. “المقيمون” و”الضيوف”..

2014 01 08
2014 12 14

134صراحة نيوز –  هنا عمّان. مدينة بلا بحر ولا نهر ولا مساحات خضراء. ومن اعتاد بيروت وبحرها، تبدو له عمّان للوهلة الأولى، كسجن كبير بلا جدران، أو كامتداد صحراوي ينوء بثقل التضاريس والتناقضات الاجتماعية.

حين تطغى الحداثة فجأة، يبدو الأصل ضبابيا. هو أصل لم يغب بعد عن ذاكرة أهل البلد الذين احتضنوا الفلسطيني سابقاً والسوري حالياً. لكن السوري هذا الذي هرب من حرب بلاده على مضض، بدأت تضيق به الدنيا في أرض جيرانه الشاسعة، وبدأ بعض الأردنيين يمتعضون من وجوده. امتعاضٌ يتخفى وراء مرارة الواقع الذي يعيشه العربي المثقل بالغياب. انه غياب السياسات الاقتصادية عند حكومات آثرت ملء مصارفها بالثروات على حساب المواطن.

أول ما يلفت الناظر في عمّان مبانٍ فخمةٍ على طريق المطار، ومساحات مترامية الأطراف، ومن ثم طرقات طويلة بتعرجات ومنعطفات. لكأنها مدينة نُسجت على عجل، كثوب تراثي قديم رُقّع بقماش حريري. تلتف حول خصر المدينة أدراج كثيرة توصلك إلى البلد، عمّان القديمة. في أزقة هذا البلد وصخب البائعين والمارة، نبض الحياة. هناك حيث يرحّب بك الجميع بعبارتهم الشهيرة “هلا هلا” داعينك لدخول محلاتهم، ويدهشك التاريخ بعد مسافة عندما ترى المدرج الروماني أمامك كرجل هرٍم بلغ أرذل العمر وبقي فتيا!

تَسِمُ البيئة الأردنية عادات شرقية محافِظة. ورغم أخلاقيات القبيلة المتمثلة بالكرم وحسن الضيافة والإحسان إلى الضعيف والتعاضد وقت الشدة، فهذه البيئة تحمل في طياتها أيضاً حاضنة اجتماعية ما انفكت غارقة في تقديس بطريركية الرجل السيّد، رب البيت الأعلى. فللأردنيين مثلا سلطة واضحة على نسائهم، وكثيرون من رجالهم اعتادوا أن يتفحصوا النساء بنظرات ثاقبة تخترق جسد المرأة وتجعلها ترغب بالعودة إلى رحم أمها، أو تودّ لو تعتكف في شرنقة. إنها نفس المرأة التي تحاسب على جرم اقترفه رجل اقترب عنوة من جسدها. على هذا النحو، فإنك تجد الشارع العمّاني يعجّ بالرجال بينما قلة من النساء يخرجن ليلاً للتنزه وحدهنّ. لم تنجُ هذه البيئة الشرقية أيضا من استهلاكية مستجدة، فضلاً عن تكنولوجيا حديثة من موبايلات وسيارات وتقنيات.

ورغم تسونامي الحداثة والاستهلاك، تبقى عمّان صورة حيّة عن صدق عيون الفقراء ودأب العمّال والموظفين. هي ذي بسمة طفل يلهو بقصاصة ورق عند زاوية الطريق، ومعابد رومانية تعلو فوق قمم الجبال وأنباط نحاتون حماة قوافل العطور والبخور والتوابل. عمّان أيضاً، ملجأ الباحثين عن الأمان. هكذا قال حذيفة العمّاني: “السوريون في عمّان ليسوا نازحين، بل إنهم من أهل البلد. هم من الطبقة الميسورة إجمالاً مقارنة مع السوريين في المحافظات الشمالية. جاؤوا الى عمّان حاملين معهم تجارتهم ومطاعمهم واشتغل شبانهم في محطات الوقود ومحلات الألبسة وتوزعوا بين أرجاء المدينة الهادئة”. مقابل هذه الضيافة، تجد أيضاً الأردني الذي يعتبر السوري منافساً له في العمل والعيش. يقول محمد: “لم يعد ثمة عمال مصريون في محطات الوقود؛ السوريون في كل مكان يزاحموننا على فرص العمل، فصاحب العمل الذي كان يوظف أجيرا أردنيا مثلا مقابل 400 دينار في الشهر، بات يفضّل أجيرين سوريين لقاء 200 دينار للعامل الواحد (أي قرابة 280 دولارا)”.

في الأردن، ثمّة أكثر من 560 ألف نازح سوري مسجّل يسكن في عمّان والمحافظات الشمالية والشرقية كإربد والمفرق والزرقا، معظمهم يستأجر بيوتا أو يسكن مع المجتمعات المضيفة. قلة منهم تسكن مستوطنات الخيام العشوائية، كما في البلقا وعمّان. يسكن أيضاً حوالى 80 ألف سوري أغلبهم من محافظة درعا كرافانات مخيّم الزعتري في محافظة المفرق، وهو أكبر المخيمات. يقول الأردني مصطفى العامل في إحدى منظمات المجتمع المدني: “تركت الكثير من العائلات السورية مخيم الزعتري نظرا للمخاطر التي تحدّق ببناتهن من قبل بعض الرعناء الذين يثيرون المشاكل وقد سجّلت حالات اغتصاب متكررة في هذا المخيّم. هذا فضلا عن تجنيد الصبية للقتال في سوريا”. وقامت الحكومة الأردنية بالتعاون مع مؤسسات الإغاثة الدولية ببناء مخيم الأزرق بتجهيزات حديثة في الصحراء الشرقية لاستقبال حوالي 130 ألف نازح سوري. ولكن بعدما دُفعت ملايين الدولارات لبناء مخيم الصحراء، تأجل افتتاحه انتظاراً لمجيء مزيد من النازحين. انتظار سيطول على الأرجح مع تأكيد السوريين على أن الحدود مغلقة من الجانب الأردني.

يدخل السوريون خلسة إلى إربد بعد دفع حوالي ألف دولار كي يشفق عليهم رجل الأمن الأردني ويسمح لهم بالدخول، هذا إن واتاهم الحظ. في إربد، امتداد سوريا الطبيعي وثاني أكبر تجمع للسوريين بعد عمّان، وصل عدد السوريين إلى أكثر من 250 ألف نازح بحسب أحمد، المعارض السوري، وهو يفوق عدد السكان الأردنيين. ورغم الحدود (المصطنعة) بين أبناء الجلدة الواحدة، تعجّ شوارع إربد بعمارات قيد البناء وبسوريين تعايشوا مع سكان المدينة وفتحوا تجاراتهم، ومنهم من كان يعمل في إربد سابقاً. أما الفلسطيني السوري فمصابه أعظم. فمع ارتفاع نسبة الفلسطينيين بين سكان الأردن، تحظّر الحكومة دخول السوري الفلسطيني، أو تحتجزه في مبنى “سايبر سيتي” ويُمنَع عنه اللجوء حتى إلى المخيمات. ولا يبقى أمام البعض منهم سوى التخفّي بين أقاربهم حتى لا يُجبرون على الترحيل إلى سوريا.

تشتكي الحكومة الأردنية من النزوح السوري. فهي على سبيل المثال تعزو ارتفاع معدل البطالة من 13 في المئة العام 2012 إلى 14 في المئة العام 2013 إلى كثرة توافد اللاجئين السوريين. ويغيب عنها أن هؤلاء العمال السوريين يعملون بلا حماية ولا ضمان صحي، ولا أية حقوق أخرى، وانّ منهم من تم ترحيله إلى سوريا بانتهاك علنيّ للقانون الدولي لحقوق الإنسان. كذلك، فهي تضيق ذرعا بالخدمات التي توفرها لهم من كهرباء وطبابة وتعليم متناسية الأموال التي تطوف فيها على حساب مصاب السوريين الذين يشاركون الأردني والفلسطيني أيضا الإنتاج والاستهلاك.

شباب السفير  – رشا فحص