الأردن ليس عمّان فقط
يسري غباشنة

2012 12 05
2012 12 05

عمّان… التي لها في قلوبنا مداد عشق صوفيّ يتغنى بسبيل الحوريات ومدرجها، يشدو بجبالها السامقة وقاعها في سقف السيل، يغفو على صوت فيروز: عمان في القلب أنت الجمر والجاه ببالي عودي مري مثلما الآه، ويصحو على حيدر محمود يتغنى بها قائلا: أرخت عمان جدائلها فوق الكتفين فاهتز المجد وقبلها بين العينين. بارك يا مجد منازلها والأحبابا وازرع بالورد مداخلها بابا بابا.

هذه عمان العزّ؛ عمان الهاشميين، عمان الملاذ والملجأ لمن دارت عليه صروف الدهر وعضه بنابه، عمان الحضري والقروي والبدوي، عمان الشركسي والشيشاني والطفيلي والربداوي والكركي. عمان النابلسي والقدسي والحيفاوي. عمان وصفي وهزاع والرجال الرجال الذين نفتقدهم في عصر أشباه أشباه الرجال من ذكور وغلمان.

ومع هذا وغيره، فالأردن ليس عمان فقط؛ فلا خير في أرض خصبة تجاورها أرض بوار، ولا جمال لسوسنة نديّة يلاصقها شوك الصّبار. أيغطّ أحدنا في نومه هانئا وأخوه يتلوى وجعا وألما بجانبه؟

وعلى هذا، فإن بقيت عقلية المسؤولين على حالها من جمود وقصر نظر، فلا صلاح ولا إصلاح. وإن ظلت هذه الذهنية هي السائدة، فستبقى هناك مناطق مهمشة وأخرى محظوظة، وستنحصر التنمية في عمان فقط ، بل جزء من عمان لا كلها.

المناطق المهمشة ما هي إلا قنابل موقوتة تنفجر كلما سنحت لها الفرصة؛ فالشباب العاطل عن العمل فيها، وجفاف الطبيعة معززا بجفاف موارد التنمية التي لا توزع بعدل ولا عدالة في أرجاء البلد، والغبن والإجحاف والإحباط السائد هناك، والفقر والاستجداء من مكاتب المعونة الوطنية وغير ذلك الكثير عبارة عن بؤر رفض لواقع مرير سيترجم عنفا وخرابا في كل سانحة تلوح في الأفق، مما يهدّد الأمن والسلم الوطني والمجتمعي. وهذا ما شاهدناه في مظاهر الخراب والتدمير التي أعقبت قرار الحكومة في رفع الدعم عن المشتقات النفطية مؤخرا. وما هذا الرأي إلا تفسير لا تبرير لما حدث وسيحدث لاحقا – لا سمح الله ولا قدر- إن بقيت الحكومات بتلك العقلية العفنة الرجعية التي تقزّم البلد وتختزله في عاصمة أو جزء منها.

انهضوا بالأرياف والبوادي وقاع المدن الكبرى والمخيمات، وزّعوا التنمية على أرجاء البلد كله لا بعضه، أنشؤوا المصانع والمؤسسات الإنتاجية كل وفق الطبيعة الجغرافية والسكانية؛ ففي البوادي مثلا أكثروا من السدود الترابية والتشجيع على حفر الآبار للرعاة، وإنشاء مصانع الألبان والأجبان، وفي القرى التي تربى الأبقار والمواشي أنشؤوا مثل هذه المصانع الإنتاجية. وفي الأغوار ابحثوا عن سبل تصريف المنتوجات الزراعية بما يرضي الله ويعوض المزارع عن جهده وعرق جبينه. فهكذا مشاريع تنموية ستأخذ تحت جناحيها الشباب العاطل عن العمل من الشارع؛ وكلنا يعلم ماذا تفرّخ الشوارع والأزقة والزواريب؛ جيل مقهور يرى الثراء الفاحش من لمم وغير لمم في يدي عصبة أو عصابة في حين يُحرم هو من الفتات؛ فيتحول تلقائيا إلى قنبلة أو جمر أو لهب يأخذ بطريقه ما يرى أنه محروم منه. مرة أخرى، هذا الرأي تفسير لما يجري وليس تبريرا للتدمير والعنف.

أيها المسؤولون؛ الوطن للجميع؛ للمعاني كما هو للعمّاني، للطفيلي كما للشميساني، لابن الرويشد وصبحا وصبحية كما هو لابن الصويفية وعبدون، لمزارعي وقاص ودير علا كما هو لبعض حيتان دير غبار والعبدلي، إنه لابن إمرع الكرك، وحوفا المزار، وابصر أبو علي، وراسون.

حدود الأردن سوريا والعراق والسعودية وفلسطين، وليس صويلح ووادي السير والمحطة وجبل النظيف.

أيها المسؤولون، اتقوا الله تعالى في البلد، كل البلد. اتقوا الله في أبناء العسكر والجنود والمعلمين والموظفين الذين حنت ظهورهم وتقوست عظامهم في خدمته… اتقوا الله فيمن تقطعت بهم سبل الوظيفة والعمل؛ هؤلاء قنابل موقوتة، يسهل صيدهم، لقمة سائغة لكل تاجر ومقامر في أمن البلد.

غاليتي عمان، لا هناء لك إلا بهناء من جاورك، ولا عطر لك إلا إن فاح عطر الشيح والقيصوم من المفرق.

غاليتي عمان.