الإصلاح السياسي بين المفهوم والتطبيق- تحليل د.سهام بنت محمد حلوة

2013 10 10
2014 12 14

27هناك تداخل وخلط بين مفهوم الإصلاح السياسي والتمنية السياسية والتحديث السياسي والتغيير السياسي، وهذه المفاهيم تعبر عن التحول والتغير والحركة المستدامة إلى الأمام والتي تنعكس على بنية النظام السياسي، لذلك فإن تشخيص هذه المفاهيم كل على حدة يعطينا تصوراً اكثر وضوحا لمفهوم الإصلاح السياسي. التنمية السياسية: هي الفعل أو العملية التي تهدف إلى إقامة حكم مستقر تتوافر له الشرعية والقيادة الفاعلة، وتعني كذلك نمو وتطور قدرات النظام السياسي على تعبئة الموارد المادية والبشرية من أجل تحقيق أهدافه وغاياته، وهي لدى البعض نمو المؤسسات والممارسات الديمقراطية، إذ أن جوهر التنمية كعملية وفعل مخطط وإرادي هو بناء الديمقراطية. وللتنمية عدة أغراض منها؛ زيادة مقدرة النظام السياسي، التمايز البنائي والوظيفي، وتحقيق أكبر قدر من المساواة من خلال الخضوع لمبدأ سيادة القانون، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية على المستويين المحلي والوطني، واعتماد معيار الكفاءة وحدها كمعيار للتوظيف الإداري والسياسي. التغير السياسي: وهو التحول في الأبنية أو العمليات أو الغايات بما يؤثر على توزيع وممارسة القوى السياسية بمضامينها مثل السلطة والنفوذ السياسي داخل الدولة، أو في علاقاتها الخارجية وهنا نخص التحولات التي تطرأ على تعامل السلطة مع القوى السياسية والتحولات الحاصلة على القوى ذاتها. الإصلاح السياسي: هو عملية تعديل وتطوير جذرية أو جزئية في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية داخل الدولة في إطار النظام السياسي القائم وبالوسائل المتاحة واستناداً لمفهوم التدرج، وبمعنى آخر فإنه يعني تطوير كفاءة وفاعلية النظام السياسي في بيئته المحيطة داخلياً وخارجياً. والإصلاح السياسي يجب أن يكون ذاتياً من الداخل وليس موضوعيا مفروضاً من الخارج ذو طابع شمولي يحمل في طياته صفة الاستمرارية، وواقعياً ينطلق من واقع الدولة وطبيعة الاختلالات القائمة المراد إصلاحها ويجب أن ينحى منحى التدرج مرحلة تلو الأخرى وأن لا يكون سريعاً ومفاجئاً، ويركز فيه على المضمون والجوهر لا الشكل، ويجب أن يتلازم مع البنى الفكرية القائمة بمعنى أن تكون مستوعبة ومدركة عقلياً من الخاصة والعامة على السواء، ناهيك عن أهمية الشفافية والوضوح وألاّ يكون في طياتها غموض أو قفز نحو المجهول . والأهم من ذلك مراعاة المتطلبات والاحتياجات المادية والمعنوية للمكونات الاجتماعية لأن عامل الاستقرار السياسي المؤشر له بحالات الانتقال القانوني من حالة إلى أخرى مرتبط جذرياً مع مفهوم الشرعية السياسية والتي تعني تطابق قيم النظام السياسي مع قيم الناس وإلا فلا فائدة من الإصلاح حين يقود إلى تراجع الشرعية السياسية. إن الإصلاح السياسي مهم لأي نظام سياسي يريد الاستمرار والبقاء، لعلاقته المباشرة مع التكيف السياسي واستيعاب المتغيرات السياسية والاجتماعية، وهو عكس الجمود إذ أن الأنظمة الجامدة التي لا تستطيع التكيف هي التي تنتج الجمود السياسي والاقتصادي وهي التي أدت إلى شبه الانهيار الحالي والذي هو نتيجة طبيعية لطريقة إدارة الدولة طوال السنين الماضية والتخبط في ادارة المشاريع والتخطيط غير الواقعي والاغتصاب الفعلي للقرار السياسي من قبل هذه الفئة او تلك التي نجحت في سنوات قليلة بصناعة الواقع المؤسف الذي نعيشه اليوم من أزمة اقتصادية معمقة وفجوة بين النظام السياسي الحاكم والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، مرتكزات الإصلاح السياسي: اولا: الحرية فهي ظل عملية الإصلاح السياسي والنظم الديمقراطية هي القيمة العظمى والأساسية بما يحقق السيادة الفعلية للشعب الذي يحكم نفسه بنفسه من خلال التعددية السياسية التي تؤدي إلى تداول السلطات، وتقوم على احترام كافة الحقوق في الفكر والتنظيم والتعبير عن الرأي للجميع، مع وجود مؤسسات سياسية فعالة على رأسها المؤسسات التشريعية المنتحبة والقضاء المستقل، والحكومة الخاضعة للمساءلة الدستورية والشعبية والأحزاب السياسية بمختلف تنوعاتها الفكرية والأيديولوجية. ثانيا: كفالة حريات التعبير بكافة صورها وأشكالها وفي مقدمتها حرية الصحافة ووسائل الإعلام السمعية والبصرية والإلكترونية. والاعتماد على الانتخابات الحرة، مركزياً ولا مركزياً، وبشكل دوري لضمان تداول السلطة وحكم الشعب، وتحقيق أقصى قدر ممكن من اللامركزية التي تتيح للمجتمعات المحلية التعبير عن نفسها وإطلاق طاقاتها الإبداعية في إطار خصوصياتها الثقافية التي تسهم عن طريقها في تحقيق التقدم الإنساني في جميع مجالاته. ويقترن ذلك بتحقيق أقصى قدر من الشفافية في الحياة العامة، بما يعني القضاء على الفساد في إطار يؤكد الحكم الرشيد ودعم حقوق الإنسان وفق المواثيق الدولية، وفي مقدمتها حقوق المرأة والطفل والأقليات، وحقوق الضمانات الأساسية للمتهمين في المحاكمات الجنائية، وضمان المعاملة الإنسانية في تعامل سلطات الدولة مع مواطنيها. ويرتبط ذلك بكل ما تعارفت عليه المجتمعات التي سبقتنا على طريق التطور الديمقراطي. ثالثا: الدستور هو أساس قوانين الدولة، فلا يجوز أن تتناقض مواده مع نموذج النظام السياسي الذي ينشده المجتمع، ويجب أن تتوافق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ويعني ذلك أن تعكس نصوص الدستور المتغيرات والتطورات التي وقعت بالفعل، الأمر الذي يفرض ضرورة تصحيح الأوضاع الدستورية بتعديل المواد التي تتعارض مع المتطلبات الديمقراطية الحقيقية وإزالة الفجوة بين نصوص الدساتير وأهداف المجتمع في التطور الديمقراطي. رابعا: الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية فصلاً واضحاً صريحا. خامسا: تجديد أشكال الحكم بما يضمن تداول السلطة بالطرق السلمية دوريا، فالدولة الحديثة دولة مؤسسات ونصوص. سادسا: إقامة انتخابات دورية حرة تصون الممارسة الديمقراطية، وتضمن عدم احتكار السلطة وتضع سقفا زمنيا لتولي الحكم. سابعا: إلغاء مبدأ الحبس أو الاعتقال بسبب الرأي، وإطلاق سراح سجناء الرأي الذين لم يقدموا إلى المحاكمة أولم تصدر ضدهم أحكام قضائية. إصلاح المؤسسات السياسية: 1)    مراجعة هذه المؤسسات بكل فروعها ونقصد هنا التنفيذية والتشريعية والقضائية فضلاً عن الصحافة والإعلام ثم مؤسسات المجتمع المدني،  لضمان أدائها الديمقراطي السليم، الأمر الذي يفرض الشفافية التامة واختيار القيادات الفاعلة والتحديد الزمني لفترة قيامها بمسئوليتها، والتطبيق الفعلي لمبدأ سيادة القانون بما لا يعرف الاستثناء مهما كانت مبررات هذا الاستثناء ودواعيه. 2)    ضرورة إلغاء القوانين الاستثنائية وقوانين الطوارئ، وإلغاء المحاكم الاستثنائية أيا كانت أشكالها ومسمياتها، لأنها تنتقص من ديمقراطية النظام السياسي. وتكفي القوانين العادية لمواجهة كل الجرائم دون حاجة إلى قوانين استثنائية، فذلك مطلب أساسي للإصلاح التشريعي والديمقراطي. ولا ينفصل عن ذلك مراعاة الخروج بإطار تشريعي فعال لضمان التعامل مع الإرهاب، وبلورة ضمانات تكفل عدم الاعتداء على الحريات العامة والحقوق السياسية. 3)    إطلاق حريات تشكيل الأحزاب السياسية في إطار الدستور والقانون، بما يضمن لجميع التيارات الفكرية والقوى السياسية المدنية أن تعرض برامجها وتدخل تنافساً حراً شريفاً على الحكم بشكل متكافئ، تحت مظلة الحريات المنصوص عليها في المواثيق الدولية. 4)    تحرير الصحافة ووسائل الإعلام من التأثيرات والهيمنة الحكومية، ذلك لأن هذا التحرير دعامة قوية من دعائم النظام الديمقراطي، والتجسيد الواضح لحرية التعبير، والدعامة القوية للشفافية. ويكون ذلك بتطوير أساليب الإعلام والتحرير في القوانين المنظمة لإصدار الصحف وإنشاء الإذاعات والقنوات التليفزيونية، كي تعتمد على الاستقلال في الملكية والإدارة، والشفافية في التمويل، وتحقق قدرة الإعلاميين على تنظيم مهنتهم وممارستها دون تدخل السلطة. 5)    إطلاق حرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني، وذلك بتعديل القوانين المقيدة لحرية تكوين الجمعيات والنقابات والاتحادات التطوعية، مهما كان طابعها السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي، لضمان حريتها في التمويل والحركة. ويصحب ذلك ضبط مشكلات التمويل الأجنبي، بالوسائل المتبعة في المجتمعات المتطورة. ولاشك أن تعديل الأطر القانونية المنظمة للمجتمع المدني في مقدمة القضايا المرتبطة بالتطور الديمقراطي للمجتمع وتفعيل سبل المشاركة في مظاهر الحياة السياسية، والتخلص من الإحساس بالاغتراب والتهميش الذي وصل إليه المواطن العربي لافتقاده فرص المشاركة الفعالة المؤثرة على حياته ومستقبله. وأخيرا، ضمان الإسهام الفعال للمجتمع المدني في مواجهة المشكلات التي تتطلب روح العمل الجماعي وأشكال الجهد التطوعي. 6)    تشجيع قياسات الرأي العام وتحريرها من العوائق بوصفها إحدى وسائل الديمقراطية الأساسية، والعمل على تأسيس الهيئات والمراكز البحثية لاستطلاع الرأي العام العربي بصورة دورية في كافة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك لتوفير معلومات دقيقة يستفيد منها صانعوالقرار والمخططون الاجتماعيون، ويعرفون منها خريطة واضحة صادقة لاتجاهات الرأي العام ومتغيراتها التي لابد من وضعها في الحسبان عند صنع أي قرار 7)    التصديق على منظومة المواثيق الدولية والعربية التالية: •    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. •    العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. •    العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية •    مشروع تحديث الميثاق العربي لحقوق الإنسان كما وضعه فريق الخبراء العرب (ديسمبر –كانون الأول ٢٠٠٣). •    المواثيق الدولية لحقوق المرأة بما يؤسس لإلغاء كافة أشكال التمييز ضدها. •    الميثاق الدولي للطفل بما يضمن حياة أفضل للطفل العربي.

خاتمة لقد تطرقت في هذه المقالة حول الإصلاح السياسي جدلية الخلط وعدم الفهم الصحيح لمفاهيم ثلاث في هذا السياق وهي؛ الإصاح السياسي التنمية السياسية واغيير السياسي. والسبب في هذا الخلط هو الخروج من البناء التقليدي للتعبير عن هذه المصطلحات، من جانب آخر تطرقت إلى مرتكات الإصلاح لسياسي على اعتبار أن الحرية هي الجوهر والمحور والهدف. وصولاً إلى إصلاح المؤسست السياسية والمدنية على اعتبار أن الديموقراطية الداخلية هي حجر الأساس في بناء أي نظام مؤسسي، اعتبرت أن حرية الإعلام هي المعيار الحقيقي والضابط من أجل الوصول إلى إصلاح سياسي ناجز. نستخلص مما سبق أنه وبغض النظر عن التناقض وعدم الفهم للإصلاح السياسي كمفهوم، فإن تجليات التعبير عن أي تغيير جذري يقع على عاتق نظام الحكم وبنيته الفوقية، وجدية وإلزامية القرارات المتخذة ي عملية الإصلاح السياسي.