الازمة السوريّة بداية ام نهاية.. – أحمد محمود سعيد

2013 09 28
2013 09 28

photoالازمة السوريّة هل هي بداية ام نهاية حرب عالمية باردة

ضمت دول الحلفاء في فترة الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م )كلا من بريطانيا ، فرنسا ، روسيا القيصريّة  , بينما ضمت دول المحور كلا من المانيا والنمسا والمجر والدولة العثمانية وبلغاريا.

وقد اتخذ المجتمع الدولي إجراءات عقابيّة ضد ألمانيا فيما عرف بمعاهدة فرساي عام 1919م، وذلك بعد انتهاء الحرب. خسرت ألمانيا بموجب تلك الإجراءات العقابيّة 12,5% من مساحتها الجغرافيّة، وحوالي 12% من تعداد سكانها، وما يقارب 15% من إنتاجها الزراعي، وحوالي 10% من منتوجها الصناعي وما يقارب 75% من إنتاجها من خام الحديد. وإلى جانب ذلك، قيدت معاهدة فرساي حركة وصلاحيات الجيش الألماني حيث نصت على ألا يزيد عدد المنتسبين للجيش الألماني عن مائة ألف جندي. كذلك، ألزمت ألمانيا بدفع تعويضات كبيرة للحلفاء. وكان من نتائج هذه الحرب ايضا سقوط الامبراطورية العثمانية وتقسيم المشرق العربي بعد الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي إلى كانتونات تخضع لسيطرة الدول الاستعمارية ضمن ما عرف باتفاقية سايكس بيكو، فوضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي والأردن فلسطين تحت االانتداب الإنكليزي وهكذا حصل اليهود على وعد بلفور لاقامة دولتهم على ارض فلسطين  وكان ذلك من اهم النتائج للحرب العالمية الاولى.

و في الفترة 1939 – 1945 دارت الحرب العالمية الثانية بين  دول المحور ( ألمانيا ، إيطاليا ، اليابان )  و دول الحلفاء ( فرنسا ، إنجلترا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، الإتحاد السوفياتي ) وكانت اسباب تلك الحرب ان مخلفات معاهدات الصلح و الأزمة الاقتصادية ادّت الى توتر العلاقات الدولية حيث فرض الحلفاء على الدول المنهزمة في الحرب العلمية الأولى معاهدات الصلح التي تضمنت قيودا عسكرية  و مالية. لهذا تأسست في الدول المنهزمة أحزاب قومية متطرفة من بينها الحزب النازي الألماني بقيادة هتلر  كما ان من مخلفات الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 قيام أنظمة ديكتاتورية توسعية عرفت بالفاشية منها النظام النازي الألماني    و النظام العسكري الياباني . بالإضافة إلى حدوث المواجهة الاقتصادية و السياسية بين الأنظمة الديمقراطية الكبرى ( فرنسا ، بريطانيا ، الولايات المتحدة الأمريكية ) و الأنظمة الفاشية ( ألمانيا ، إيطاليا ، اليابان ) وبمجرد وصول هتلر إلى الحكم سنة 1933، شرع في التخلص من قيود معاهدة فرساي من خلال تعميم الخدمة العسكرية الإجبارية وتطوير صناعة الأسلحة وتسليح واسترجاع مناطق معينة في المانيا .

وهكذا كانت نتيجة الحرب العالمية الثانية قيام دولة اسرائيل العبرية على ارض فلسطين وتفسّخ الهلال الخصيب وبلاد الشام الى سوريا ولبنان والاردن والضفة الغربية وقطاع غزّة والعراق وكلها نالت استقلالها ما عدا الضفة التي اندمجت مع الاردن والقطاع الذي أُتبع إداريا لمصر .

وهكذا اعتبر العرب ان القضيّة الفلسطينية هي قضية العرب المركزية والاولى وبدأوا بعقد مؤتمرات القمّة العربية منذ عام 1964 وشكلت منظمة التحرير الفلسطينيّة التي تعهدت بالتحرير وقبل ان يكتمل استقلال العرب الصوري قامت اسرائيل بابتلاع الضفّة والقطاع إضافة لسيناء المصريّة والجولان السوريّة في معركة دامت ست ساعات كانت القوميّة العربيّة في اقوى صورها لتظهر بعدها ما سمِّي بقوى الردع والممانعة والصمود والانظمة الرجعية والتقدمية وطفت على السطح منظمة فتح الفدائية الى جانب العديد من المنظمات الفلسطينية الاخرى التي كانت تتبع لدول واحزاب في سوريا والعراق وغيرها والتي شكلت تلك التنظيمات مشاكل للدول التي تستضيفها مما جعلها تتجمّع في لبنان ويكون من السهل على اسرائيل غزو لبنان عام 1982 واجبار معظم الفدائيين وخاصّة من فتح مغادرة لبنان وقيام اسرائيل باحتلال الجنوب اللبناني بعد ان كان العرب قد طلبوا من حافظ الاسد حاكم سوريا ادخال قوات الردع العربية لحماية لبنان من الاقتتال الداخلي وتهديدات الاسرائيليّين .

ومنذ حرب العاشر من رمضان التي دخلتها مصر وسوريا بشكل رئيس ضد اسرائيل وعبور المصريين القناة وتقدّم السوريون على الجبهة عام 1973 بدأ نسج خيوط السلام في المنطقة فكانت مصر الاولى منذ عام 1978  وقاطعوها العرب عشر سنوات وهكذا بقيت العراق بجيشها القوي المنتصر على ايران وكذلك سوريا الممانعة صوتا والحامية لهدوء الحدود بينها وبين اسرائيل فعلا والاردن ذو اطول حدود مع اسرائيل الحذرة منذ معركة الكرامة عام 1968 ولبنان الذي تتقاذفه النزاعات الطائفية ويستغلّه نظام الاسد اقتصاديا الى ان بدأت اسرائيل تتخلّص من بعض اعبائها الماليّة فانسحبت من جنوب لبنان عام 2000 واكتفت بوجود السوريون لحماية الاوضاع بعد ان اشعلتها بين الطوائف والاحزاب اللبنانية وابقت على مزارع شبعا كحجر عثرة مع النظام السوري وتفرّغت هي لمداعبة حزب الله الشيعي الممول من ايران والمنسجم تماما مع سوريا في نفس الوقت الذي استعمل الفلسطينيون الحجارة لاندلاع إنتفاضتهم عام 1988 وظهرت حماس كمكوِّن رئيسي ولاعب مهم منافس لابوعمار وفتح في فلسطين وحاولت اسرائيل دغدغتها بحرب على غزّة عام 2009 زادت فرقة الفلسطينيّين بدل توحدهم .

واما العراق فقد تكفلت به امريكا من خلال حرب مع ايران لمدّة ثماني سنوات خرج منها منتصرا ولكن منهكا وثم من خلال اغرائه باحتلال الكويت خرج منها مدحورا وثم بحجة تطهير العراق من اسلحة الدمار الشامل تم تدمير العراق حضارة وجيشا وثروة وارثا وما زال اهله في اقتتال طائفيا وفساد مستشري الى عشرات السنين القادمة .

وبعد ان طويت صفحتي مصر والعراق بالنسبة لاسرائيل بقيت الجبهة السوريّة بما تحتويه من توأمة للعلويّين مع شيعة ايران ونصرة لحزب الله وقواته وبالرغم من اخراج قوات الاسد من لبنان بعد مقتل الحريري وقيام اسرائيل بمهاجمة حزب الله وقواته في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت عام 2006 .

استلمت امريكا الملف السوري بعد ان استعجلت تفعيل ملفّه الربيعي واستغلال الاحتقان الشعبي من الظروف المعيشية الصعبة وراهنت وتململت ووضعت الخطوط الحمر التي محي لونها من كثرة ما مشى عليها جيش النظام كما ان المعارضة وجيشها الحر بقيت مفسّخة تنتظر الدعم المادي والتسليحي وبعد ان قتل النظام مائة الف من الشعب السوري جاءت لحظة الاتفاق الروسي الامريكي والذي بدا فيه ان الروس لاول مرّة يفلحون في موقف حازم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989 وموقفهم الناجح فقط في ارمينيا واتفق الروس والامريكان بعد استخدام السلاح الكيماوي في غوطة دمشق ومقتل ما يزيد عن الف ومائة قتيل معظمهم اطفال ونساء بل وتم تصوير ذلك ونشره اعلاميا واقتصر الوضع في سوريا على اخراج الاسلحة الكيماوية وتدميرها واخراج بشار الاسد من الحكم وتبديد اقاربه فهل هي نهاية الفلم الاسرائيلي

بالطبع لا لأن اهم بند في السيناريو الاسرائيلي هو نسيان اهل فلسطين لارضهم واسم بلدهم وهذا لن يتأتّى في زمن قصير بل لن يتأتّى قبل تهويد جميع ارض فلسطين وخاصّة قلبها اي القدس والخليل ونابلس وبيت لحم ولن يتم ذلك إلاّ بعد هدم المسجد الاقصى والصخرة المشرّفة وهما ابرز معلمين اسلاميّين وإقامة هيكل سليمان المزعوم مكانهما لذلك ستبقى امريكا مشغولة لسنين طويلة لإقناع حلفائها ودول العالم الغربي في اوروبا والروس واليابانيّين بل والصينيّين بوجهة النظر الاسرائيليّة ولسنين اقصر في إقناع العرب حكاما ومواطنين بنسيان الحق الفلسطيني وعدم الاكتراث بالصراخ الفلسطيني الذي لا يستطيع توحيد نفسه حول حقّه المغتصب وهذا قد يتطلب وقتا من الامريكان بل ويتطلّب ان تبقى الازمة السوريّة قائمة من خلال الايحاء للروس وايران والصين والهند ومن في صفّهم بانّه إذا انتهت الازمة السوريّة فإنّ مصالحهم قد تتأثّر  والواقع ان امريكا واسرائيل تصارع الزمن لإنهاء ذلك قبل نهاية عام 2014 موعد استحقاق الانتخابات السوريّة وذلك لكي يسجّل اوباما هذا النصر لصالحه بيتما تشعر اسرائيل بالامان وتدحر توقُّعات المنجّمين بزوال دولة اسرائيل قبل نهاية عام 2016 .

ومن هنا يتبيّن ان امريكا ادخلتنا كعرب شعوبا وحكّاما في لعبة نحن لسنا اهلا لها ولسنا على استعداد نفسي ولوجستي ان نكون بها ولا يليق بنا إلاّ ان نكون خدما نقول نعم سيّدي وكل من يرفع رأسه يجلبون له سيسي من بينهم ولنا في ثورات ليبيا وتونس ومصر اكبر دليل .

وعليه قد تكون الازمة السوريّة بكل تداعياتها وقتلاها مهما بلغ عددهم هي نهاية حرب عالميّة ثالثة ولكنّها باردة وصامنة نشبه الحروب على جهاز الكمبيوتر بالرغم من عظم نتائجها إذ انها انهت الحكم الشيوعي للاتحاد السوفيتي وجزأت دوله وانهت حلف وارسو وجعلت العالم تحت حكم قطب واحد ونشرت العولمة اينما كان وخلقت شرق اوسط كبير وجديد في اكثر المناطق سخونة لتميّزها الديني وموقعها الجغرافي وثرواتها الوفيرة وثبتت اسرائيل وسيادتها في المنطقة واوجدت بعض الانقسامات الطائفية والعرقيّة والمذهبية او على الاقل وضعت الأسس والإمكانات في عقول وضمائر شعوب الدول العربيّة إرث الدولة العثمانيّة في وقت على فيه صوت الدولة التركيّة تلك الشوكة في حلق الاوروبيّين  .

وستستخدم امريكا جميع الادوات الممكنة لتطيل مدى الازمة السوريّة حتّى ننمكّن اسرائيل من تحقيق اكبر قدر ممكن من اهدافها ومخطّطاتها لذلك ستطيل في موعد مؤتمر جنيف 2 كما ستراوح وتناكف ايران مستغلّة انتخاب الروحاني رئيسا لايران والمغازلة بينه وبين اوباما كما ستعيد امريكا بين الفينة والاخرى توعّداتها وتهديداته بإستخدام القوة العسكرية وضرب سوريا من بوارجها الحربيّة في البحر الابيض المتوسّط .

وإذا صدق ذلك التحليل فتكون دول الحلفاء هي اسرائيل وامريكا وبريطانيا وفرنسا بشكل رئيس بينما دول المحور هي روسيا والصين وايران والهند بشكل رئيس علما ان تلك الدول في المحور تضمُّ ما يقرب من نصف عدد سكّان الكرة الارضيّة .

وهكذا تكون اسرائيل اخذت وعدا بانشائها بعد الحرب العالمية الاولى وقامت الدولة فعلا بعد الحرب العالميّة الثانية وها هي تثبّت اركانها وحدودها وهيكلها بعد الحرب العالمية الباردة الان وكأن ّ جميع الحروب في الكون من اجل خمسة عشر مليون يهودي لا يشكلون 2 بالمليون من سكان العالم .

اللهم احمي الاردن ارضا وشعبا وقيادة وامنع عنه أيِّ كرب وسوء لا سمح الله .