التقارب الأمريكي الإيراني وانعكاسه على الخليج – يوسف المرافي

2013 10 02
2013 10 02

598تحدثت في مقالتي السابقة عن الموقف الروسي من الأزمة السورية ، وكيف أن ذلك الموقف قد بدا يتشكل بأسلوب مغاير عما كان عليه الأمر في أزمات سابقة ، والعراق واحدة من تلك الأزمات.

وقد بدا الأعلام الغربي والعربي في الفترة الأخيرة يركز على الأزمة السورية باعتبارها حد فاصل بين تاريخ العلاقات الدولية وليس حدثا منفصلا عن تلك الأحداث ، وكذلك نالت هذه الأزمة اهتمام الكتاب والمحللين السياسيين والمهتمين بالشأن الدولي والعربي ؛ لأنها في نظرهم تعتبر من أهم الأحداث السياسية التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة .

ولفتني قبل أسبوعين عند كتابتي تلك المقالة التي أوضحت فيها قرار تجريد سوريا من ترسانتها الكيميائية رسائل الغزل بين الولايات المتحدة الأمريكية  وإيران ، وإن كانت تلك الرسائل ليست بالصورة المعلنة؛ إلا أنها تركت عندي في تلك اللحظة شكوكا في إن هنالك ثمة مؤامرة يحيكها الغرب ليس ضد سوريا فحسب ، إنما ضد دول الخليج دون استثناء ؛ فدول الخليج العربي كانت تأمل في أن يفي الجانب الأمريكي بوعوده التي قطعها على نفسه ، وهي سرعة توجيه ضربة عسكرية تأديبية للنظام السوري إلا إن شيء من ذلك لم يحدث ، فقد انقلب السحرعلى الساحر كما يقولون في العامية ، فقد سربت معلومات بطريقة سرية للغاية بأن هناك ثمة تقارب أمريكي إيراني. ولنعرف حقيقة هذا التقارب ، وهذا التجاذب الأمريكي الإيراني ، أيكون على حساب تلك الدول ؟ وأقصد هنا دول الخليج التي استبشرت خيرا في رؤية اقتراب الأسطول الأمريكي المحمل بالأسلحة والطائرات من الشواطئ السورية ، حيث نظر البعض وقتها إلى أن الضربة العسكرية لا محال لها ، وأنها مجرد أيام لا بل ساعات إلا إن شيء من ذلك لم يحدث .

فالسعودية ومعها دول الخليج تخشى على نفسها من التقارب المفاجئ بين إيران الساعية؛ لامتلاك القنبلة النووية وأمريكية فلا يخفى على احد أطماع الإيرانيين بالخليج العربي ؛ فالجمهورية الإيرانية  ذات الديانة الشيعية تأمل منذ فترة طويلة للسيطرة على الخليج العربي من خلال إقامة حزام شيعي يتمثل الأول في السيطرة على العراق وسوريا ولبنان ، وعند تمكنها من هذا الحلم ونجاحه تكون الفرصة مواتية للسيطرة على بقية الدول الخليجية ، أو مايعرف في نظر الإيرانيين بالخليج الفارسي ؛ وبالتالي إنشاء إمبراطوريتها الفارسية.ناهيك عن احتلال إيران للجزر الأمارتية الثلاث الغنية بالنفط والغاز واحتلالها لقطر الأهواز العربي عام 1925 ومطالباتها على المستوى الرسمي بضم البحرين للجمهورية الإيرانية باعتبارها محافظة إيرانية ؛ بالإضافة للتصريحات الإيرانية على مستوى الوزراء في أكثر من مناسبة ، حيث اعتبروا فيها بأن العراق والخليج جزءا من إيران ، لاسيما عندما نعلم بأن المشروع الإيراني في العراق قد تحقق من خلال سيطرة الإيرانيين على مراكز صنع القرار  في العراق، مستغلين حالة التخبط التي تعيشها دولة العراق بعد الحرب الأخيرة ، فقد قامت الحكومة الإيرانية بدعم بعض الفصائل التي تعمل سرا في العراق كحزب الدعوة بفصائله الثلاثة ، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية (الإيرانية)بقيادة آل الحكيم وهو الذي أنشأته المخابرات الإيرانية على يد كبير قضاة إيران محمود الهاشمي.

وان كانت هذه الشكوك وحجمها مبنية على التخمين إلا أننا  قلنا في أحاديث سابقة أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من الأوروبيين والروس يبنون علاقاتهم الخارجية في الشرق الأوسط بناءً على مصالحهم القومية؛ متناسين العهود والمعاهدات المعقودة بينهما ، فهم يسيرون ضمن نهجهم الاستراتيجي والسياسي والقومي ، ولاشك في التجربة السورية خير دليل على إن الغرب ليس له من العهد والمواثيق إلا ونقضها إذا رأى أنها لاتتماشى مع سياساتهم الخارجية .

لذا يجب على دول الخليج في هذه المرحلة الحساسة أن يحكموا العقل في أي مراوغة سياسية ربما تكلفهم ثمناً باهظاً هم في غنى عنها ، وان يعووا جيداً التحولات السياسية والإستراتيجية والدولية التي تحدث للمنطقة وللعالم اجمع، لاسيما الموقف الروسي الذي أصبح أكثر نضجا من الناحية العسكرية والسياسية من أي وقت مضى، واتباع سياسة التجاذب الروسي الخليجي والاستفادة قدر الإمكان من الموقف الروسي العائد إلى الأضواء من جديد ،تمهيدا لأي مفاجأة سياسية  في المستقبل من حليفتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت مصالحها  فوق مصالح العرب “ودول الخليج “واحدة من تلك المصالح .

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة عن مغزى التقارب الأمريكي الإيراني في هذا الوقت بالتحديد ،والعالم يعيش في خضم الأزمة السورية ،وان كان هذا التقارب غير معلن ، إلا أننا يجب إن نكون مستعدين للمفاجأة الأمريكية والإيرانية في أي وقت مضى ، فقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية في نظري تدار سياساتها الخارجية من مجموعة من المستنفذين والذين سوف يهدمون ما أنجزته الإدارات الأمريكية السابقة من اتفاقيات وعهود مع دول الخليج ، فقد قادت من أجل تلك الاتفاقيات الحروب المستمرة لغاية هذه اللحظة للمحافظة على تلك العلاقة ، وأقصد هنا الحلف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع التسعينيات ؛ لإخراج القوات العراقية من الكويت ، واستمرار ذلك الموقف ، وتلك العلاقة حتى هذه اللحظة لكن هذا التحالف الاستراتيجي ربما يبقى مهددا في ظل التقارب الإيراني الأخير ،والذي يجهل السياسيون مغزاه ودوافعه في هذا الوقت ، إلاأنني أرى من وجهة نظري الخاصة أن هذا التقارب وهذا الغزل بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران له رسالتان.

“الرسالة الأولى”إن النفط الخليجي الذي قادت الولايات المتحدة الأمريكية الحروب من اجله أصبح  الدفاع عنه من الماضي  فقد رأى أصحاب القرار في الولايات المتحدة أن هذا النفط أصبح مؤمنا من زاوية البوابة الإيرانية الغنية بالنفط والغاز ، وتكون بذلك تضرب عصفورين بحجر واحد :الحجر الأول تأمين حاجتها من النفط الإيراني ، والحجر الثاني إرسال رسالة إلى تل أبيب بأن الخطر الإيراني المحدق بإسرائيل وهواجسها من السلاح النووي الإيراني أصبح في مأمن الآن .

“الرسالة الثانية”وهي التي أرجحها في أن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الوقت تقتضي اتباع سياسة التقارب السياسي مع إيران ، وإن أزعج هذا التقارب دول الخليج رغبة من الولايات المتحدة الأمريكية في قطع الطريق على الدب الروسي الذي استيقظ من سباته العميق في تعزيز نفوذه وسطوته في منطقة الشرق الأوسط على حساب الإيرانيين الحليف التقليدي لروسيا ،التي كما نعلم تحاول إعادة ما كان سابقا إبان الحكم السوفييتي من بناء وإحياء لمشروعها القومي في أن تكون القطب الثاني الموازي للقطب الأمريكي خاصة ونحن نعلم جيدا بأن هذا الدور ربما يعود من جديد من خلال الملف السوري الذي تكلمت عنه في مقالتي السابقة “روسيا والحلم القديم “.