التيار القومي العربي بين الانعزال والتجديد – د/ سهام حلوه

2014 01 18
2014 01 18

286لست ممن كانت له توجهات قومية منظمة أو مؤطرة، ولكنني في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ امتنا، وخلال الدعوات المشبوهة للقطرية والنحنوية، وما سمعناه من النخب الثقافية والسياسية بأن الوحدة العربية والتيار القومي ما عاد له وجود حقيقي، وأن الجدل والصراع سيكونان بين التيارات الإسلامية والليبرالية والعلمانية. دفعني إلى كتابة هذا المقال لفتح باب الحوار الهادف بين المهتمين حول مصير الوحدة العربية والفكر القومي العربي. فإن من يتابع تطورات الواقع الاقليمي بمتغيراته المعقدة والمركبة،  يلاحظ أن التحولات الهائلة التي تمر فيها المنطقة تطرح سؤالا خطيراً عن هذا الكم من اللقاءات والحوارات عبر الفضائيات، حيث يتحدث ليبراليون وعلمانيون وإسلاميون من كافة الأطياف، وتيارات إسلاموية جاهزة، وتيارات إسلاموية جاءتنا في طرود، ويغيب عنها المفكرون والمثقفون المبعدون والمُبتعِدون، أحاديث على الهواء عن ديموقراطيات هلامية، آخر همومها المواطن العربي المقهور والمسحوق على قارعة المهاترات والنقاشات السفسطائية حول وحدة المصير القومي والتضامن العربي. ولا يقلقها حديث حركة التحرر الوطني العربي ولا حديث القوميين.

والمتابع للميادين والساحات التي تشهد حراكاً شعبياً يجد أنها لم ترفع شعاراً واحداً ذا بعد قومي، واختفت شعارات الماضي عن الوحدة العربية كهدف من أهداف حركة التحرر ووحدة المصير العربي، وتراجع دور الجامعة العربية الهزيل أصلاً، فلا حديث عن تطوير العمل العربي المشترك، أو اعتماد التجانس العربي القائم على وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا والمصالح العربية كأساس للتجمع في كتلة إقليمية، تفرض من خلالها الأمة دوراً فاعلاً ومؤثراً في السياسات الدولية، وتمتلك فيها الحق في تقرير مصيرها، وحماية سياساتها واقتصادها وثرواتها، ومستقبل أجيالها.

تراجع الفكر القومي وتم اغتياله بسبب ربطه بالقمع والديكتاتورية ضد أحزاب رفعت الشعار القومي، وعندما وصلت إلى مقاليد الحكم وتسلمت زمام الأمور أقامت نظماً بوليسية قمعية جسدت سيطرة الحاكم الفرد. فضلاً عن أن بعض القوى الأخرى كحركة القوميين العرب تحوّلت إلى الماركسية ثم إلى القطرية. وكلنا يعلم أن الأنظمة الاستبدادية التي حكمت باسم القومية العربية ألحقت أضراراً فادحة بالتيار القومي، وغيبت الجوهر والمضامين المثالية للفكر القومي الأصيل (الذي اعتبر الوحدة العربية هي الهدف الأسمى لوجودها). عليه يفترض بكل المثقفين والفاعلين السياسيين ومؤسسات المجتمع المدني العربية التوحد خلف شعار الوحدة العربية من أدنى إلى أعلى وبالعكس. كما يجب على أصحاب الفكر القومي الأصيل القيام بدراسات تنقد الفكر القومي وتعيد له الاعتبار، وتجدده بما يتواءم مع المرحلة الراهنة شديدة الحساسية. بحيث تربط بينه وبين الديمقراطية والتعددية والدولة المدنية وسائر المطالب التي نادت بها الجماهير في مرحلة التحولات السياسية والاجتماعية التي عصفت وما زالت تعصف بالأمة العربية .

كلنا يعرف مدى حساسية المرحلة وأن الدول الصغرى ستدفع ثمناً باهظاً في زمن العولمة والليبرالية الاقتصادية وشكلها الجديد (النيوليبرالية). وأن الكتل السياسية الكبرى هي التي ستنتعش في ظل العولمة وثورة التكنولوجيا. ونحن نعلم أن الوطن العربي سيدفع الثمن الباهظ إذا بقيت دوله منفردة ومنعزلة عن بعضها لا تسعى إلا لتحقيق مكاسبها الضيقة، فكان توحدها مصلحة وطنية وقومية عليا. ولن يكون للدولة القطرية العربية قيمة ومكانة أوسع من مساحتها الجغرافية المحدودة والمستَغَلة إذا ما استمر هذا التشرذم.

لذلك فإن الوحدة على أساس المبادئ والمصالح، وعلى أسس تحتوي على شيء من الليبرالية، وتوسيع الحريات العامة والعدالــة والكرامــة الإنســانية، أصبحت مطلباً وضرورة خلال استكــمال مراحل التحولات لغاياتها وأهدافها. حيث استهدفت هذه الصحوة التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحماية هوية الأمة والتخلــص من التبعــية. خاصــة وأنــها تواجــه فــي الإقليــم قــوى تحــاول النيــل منهــا وفـي مقدمة هذه القوى اسرائيل وأطماعها الصهيونـية. وقوى تحاول لعب دوراً إقليمياً مقرراً مثل ايران وتركيا لسد الفراغ السياسي الذي تركته الدول العربية والتي لم ترقى لمستوى تحدي نمو قوى إقليمية مجاورة .

منذ نشأة الفكر القومي السياسي العربي وهو يرفع شعار امتلاك القوة الإقليمية لتحقيق موقع حضاري عربي فاعل. إلا أن هذه الشعارات لم تتعدى أن تكون أكثر من خطب سياسية لتحقيق مصالح ضيقة. وحين استفاق العرب كانت الدول المجاورة التي بنوا دونها خندقاً مرعباً من القطيعة قد أهلت نفسها للعب أدوار إقليمية، وبدلاً من تدارك الوضع والخروج من هذا المأزق التاريخي تبنى الخطاب السياسي القومي لهجة التخويف من هذه القوى الصاعدة والتحذير من خطرها الإقليمي عليه. وبات يستجدي القوات الدولية للتدخل لحمايته من الخطر الإيراني الحالي والمرتقب، والخطر الإسلامي الصاعد في تركيا الإقليمية، فغرق الفكر العربي في أزمة حقيقية بحشر نفسه بين كماشتين إقليمية ودولية، وأزمة ذاتية متمثلة في القصور عن إعادة بناء الذات وتأطير الجماهير واستعادة ثقتهم والعودة بهم إلى طموحاتهم السياسية والثقافية.

هذه أزمات عكست عجز العرب عن تأسيس مشاريع النهوض والبناء والنمو وتحقيق المصالحة مع الذات ومع الشعوب العربية الشقيقة وطي صفحة الماضي الأليم، واستئناف مسيرة الإصلاح الذاتي انطلاقاً من رؤية عربية وغيرها من القوميات، مع التركيز على استثمار الطاقات المحلية البشرية والطبيعية والمالية، والانفتاح المتوازن على الآخر سواء من بلدان العالم الإسلامي أو الغربي، من غير عقدة نقص ولا توجس، وإنما انطلاقا من علاقات يحافظ فيها على استقلال الإرادة والقرار السياسيين مع الاستفادة من تجارب النهوض المعاصرة لروسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والصين واليابان والهند والنمور الأسيوية وبعض دول أمريكا اللاتينية.

ولذلك فإنني أدعو القوى الحقيقة المحركة للثورات (الشبابية) والعمالية والجماهيرية والشعبية وأصحاب الفكر القومي الأصيل لتبني الأهداف التالية:

المساهمة الفعالة من قبل المثقفين العرب في حوار عربي شامل تقوده المؤسسات الشبابية والمدنية، ومن ثم السياسية بشأن الوحدة العربية والقومية والمصيرية.

مراجعة نقدية إيجابية لأسباب إخفاق وانتكاسة الفكر القومي وآليات تجديد العمل من أجل اتحاد عربي يقوم على مبادئ الحرية و الديمقراطية والعدالة كبديل عن صيغة الجامعة العربية؛ على غرار الاتحاد الأوروبي له سياسة خارجية واحدة وله عملة موحدة، وله مرتكزات اقتصادية واحدة.

اعتماد أسس تحتوي على الليبرالية السياسية والاقتصادية، وتوسيع الحريات العامة والعدالــة والكرامــة الإنســانية.

العمل على إحلال الفكر القومي في الوعي الجمعي والشعبي العربي مكان التطرف والانعزال والقطرية المقيتة.

إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة القومية كقضية مركزية وذات أولوية قصوى لأن العامل العربي هو من أبرز العناصر المؤثرة في مسار القضية الفلسطينية. وغني عن القول أيضاً إن الشعب الفلسطيني يقف في الخندق الأمامي للدفاع عن الهوية العربية بأبعادها الوطنية والقومية والإنسانية.

الارتقاء بالإعلام الرسمي والشعبي للعمل على إشاعة فضائل التواصل والتعاطف بين المجتمعات العربية، والإيحاء لها بأنها تنتمي إلى أمة واحدة، في مواجهة قوى التجزئة والبعثرة والإنعزال، وفي تحدي للرؤى الغربية والإسرائيلية المروجة للمشاريع المتوسطية والشرق أوسطية، كبديل للهوية التضامنية العربية.

تحرير الفكر العربي ليتمكن من دمج هذه البعثرة الرهيبة في الرأي والموقف، وليحول دون عبث الأحزاب السياسية القومية وغير القومية في تملق الحزب الديني، وفي دمج الفكر القومي في الفكر الغيبي.

إستحضار وتطوير الهوية الثقافية العربية، وإنعاش فكرها القومي .

لذلك بات ضرورياً على أصحاب الفكر القومي  توسيع آفاق نزعتهم القومية الضيقة بحيث تستوعب الاختلافات العرقية والتنوع الثقافي على أسس تذوب فيها النعرات والعصبيات الضيقة، بحيث يتعايش الجميع بانسجام مطلق وتكون فيه مصلحة الأمة العليا هي الهدف الأسمى.

باحثة سياسية واجتماعية