الثورة العربية الكبرى: أرسلوا الفرس الشقراء

2016 05 08
2016 05 08

vhصراحة نيوز – بين “دارة الشريف الحسين ” في مكة و ” دار البكري” في دمشق، كانت ترسم حدود الاستقلال العربي وتنصهر آمال أمة مجيدة ويتوحد موقفها نحو النهضة الكبرى.

في كتابه “الثورة العربية الكبرى – الذي اصدره بعد سنوات من انطلاقها – سجل أمين سعيد صفحات من النشاط السياسي الحثيث الذي كان يدور بين الامير فيصل بن الحسين والاحرار العرب القوميين وزعماء الجمعيات العربية العاملة في كل من دمشق وبيروت :-

— في صيف سنه 1914 سافر احمد فوزي بك البكري الى مكة لتأدية الخدمة العسكرية اثر اعلان الدولة العثمانية النفير العام، فحل ضيفا على الشريف الحسين وقص على مسامعه وجود جمعيات عربية منظمة في سوريا تعمل لاستقلال العرب.

–10 أيلول 1915 : وصل الامير فيصل الى دمشق وحل ضيفا على ال البكري، ولم يطل الاقامة بل سافر الى الاستانة لمقابلة ولاة الامور لاطلاعهم على الاوراق السرية الخاصة بوهيب باشا والتي كانت تدور بين حكومة الاستانة والوالي للفتك بالشريف الحسين وأولاده والقضاء على استقلال الحجاز وذلك بقصد ايجاد طريقة للاتفاق والتفاهم.

— في يوم لاحق من شهر ايلول 1915 قصد الامير اثر بلوغه الاستانة الصدر الاعظم واطلعه على الوثائق والكتب التي وجدوها وشكا من تصرف الاتحاديين. وقال لهم انهم يعملون “للتنكيل بنا ودس الدسائس ضدنا مما افقدنا الثقة بهم وصدر امر بنقل وهيب باشا من الحجاز وعينوا الجنرال غالب باشا مكانه”.. يقول على فؤاد باشا رئيس اركان حرب الجيش الرابع في مذكراته:

” ان الامير فيصل ابلغ اقطاب الحكومة الاتحادية وانه تحادث مع انور باشا بشأن رجال العرب المعتقلين في “عالية” طالبا اطلاق سراحهم والعفو عنهم، فوعده خيرا، كما حمل على سياسة جمال باشا حملة شديدة ووصفها بانها سياسة عداء للعرب وانه ليس في امكان العرب السكوت عنها.

— وصل فيصل الى دمشق من الاستانة في طريقة الى مكة وكان رجال العرب يبحثون عن وسيلة تساعدهم على الخروج من المأزق الذي صاروا اليه فقد عاجلتهم الحرب ( العالمية الاولى) قبل ان يستعدوا لها ومواجهة جمال باشا وشدته وكان قد فتك برجال الرعيل الاول وبدأ بالقبض على رجال الرعيل الثاني والتحقيق معهم.

— في دار البكري كان اتصال الامير برجال الجمعيات العربية وخلا اليهم وخلوا اليه ودرس معهم التدابير التي اتخذها.

وكان في مقدمة الذين اتصلوا به في هذا الدور الدكتور احمد قدري معتمد جمعية العربية الفتاه في دمشق واحد مؤسسيها، والدكتور عبدالرحمن الشهبندر ومحمد الشريقي وياسين الهاشمي ( رئيس اركان حرب الفيلق الثاني عشر يومذاك ) وعلي رضا الركابي وغيرهم، وقد سر بما سمعه من أقوال وتصريحات، وبما لمسه من حماسة وغيرة.

فقد افهموه انهم مستعدون للعمل لاضرام ثورة عربية في سوريا لتحرير البلاد العربية الخاضعة لتركيا.

— بروتوكول دمشق :

تمخضت الاتصالات بين الامير فيصل والاحرار العرب في دمشق وبيروت بواسطة زعماء الجماعتين العربيتين ( العربية الفتاة والعهد) عن صدور ميثاق دمشق او بروتوكول دمشق الذي يعد خريطة تعين حدود الدولة العربية والمرتكز الذي يمكن به التفاوض مع الانجليز على الاستقلال العربي.

وينص البروتوكول على ان تعترف بريطانيا باستقلال البلاد العربية ضمن الحدود التي تبدأ شمالا بخط مرسين- اظنة، ممتدا على أورفه وماردين وجزيرة ابن عمر فحدود فارس وشرقا حدود ايران حتى الخليج، وجنوبا : المحيط الهندي ( ما عدا عدن ) وغربا : البحر الاحمر والابيض حتى مرسين، والغاء الامتيازات الاجنبية، ومنح بريطانيا الافضلية في الشؤون الاقتصادية.

— في كانون اول 1915 : غادر فيصل دمشق الى مكة ممتلء نشاطا وحماسة وقد اثر في نفسه ما سمعه من اقوال وما شاهده من روح قومية، كما حمله الشيخ بدر الدين الحسيني، وعلي رضا باشا الركابي ختميهما الذاتيين الى والده علامة موافقتهما على اعلان الثورة .

— في مكة : قص الامير فيصل على والده ما سمعه ووصف له ما شاهده وابلغه ما استقر عليه القرار من احترام ثورة في بلاد الشام لإنقاذ العرب وانشاء المملكة العربية وسلمه الختمين.

— في الطائف، بعيدا عن اعين الرقباء اجتمع الشريف الحسين وانجاله الامراء فيصل وعلي وعبدالله، فاتفقوا على ان يتولوا امر الثورة.

— في شهر كانون الثاني 1916 : وصل الامير فيصل الى دمشق ومعه 50 فارسا من اتباعه بينهم عدد من الاشراف ونزل واياهم في ضيافة ال البكري هو في المدينة وهم في قرية القابون من ضواحي دمشق وعاد الى ما كان عليه من الاتصال برجال العرب ومفكريهم ودرس الخطط والاساليب والاستعداد للثورة.

— وفي شهر شباط 1916 : وصل الى دمشق انور باشا وكيل القائد العام فاحتفلت الحكومة بوصوله، ثم سافر الى الحجاز فرافقه في رحلته جمال باشا وفيصل فبلغ المدينة وقضى فيها اياما، ومع انه اظهر رغبة في الاجتماع بالشريف الحسين وطلب اليه ان يوافيه اليها، ويقال ان الترك كانوا يفكرون في القبض عليه ونفيه لو اجاب دعوتهم، الا انه اعتذر عن المجيء وارسل هدايا ثمينة الى انور وجمال باشا، ثم عاد فيصل معهما الى دمشق.

وكان ديوان حرب عالية مشغولا بمحاكمة المعتقلين من كرام العرب واحرارهم فسعى عنده كثيرا لإطلاق سراحهم والعفو عنهم، ولما اخفق ابلغ ذلك الى والده.

— وفي خلفية هذه الاحداث : كانت الضغوط التركية تتزايد على الشريف والانجليز يعاودون مرة بعد مرة محاولة استمالته الى جانبهم.

— مراسلات الحسين مكماهون : بدأ الشريف الحسين على اساس بروتوكول دمشق اتصالاته مع السير مكماهون المعتمد السامي البريطاني في القاهرة وبلغت الرسائل عشر رسائل في كلا الاتجاهين تطرقت الى استقلال العرب التام في حدود ميثاق دمشق وعدم استثناء اي ارض عربية من الحدود المرسومة باستثناء “عدن” المستعمرة البريطانية منذ عام 1939 والتي ستكون موضوع مفاوضات مستقبلية والتعاون العسكري الكامل وتقديم الاسلحة والمعونات للجيش العربي حتى يتمكن من اداء مهامه.

— في يوم 6 ايار 1916 : اقدمت السلطات التركية على اعدام مجموعتين من احرار العرب في كل من ساحة المرجة في دمشق وساحة الشهداء في بيروت. فهزت هذه الاعدامات المشاعر العربية، وكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.

استقبل الامير فيصل خبر الاعدامات وهو في دمشق فصاح صيحته المشهورة “طاب الموت يا عرب” وارسل الى والده رسالة قصيرة كتب فيها ” ارسلوا الفرس الشقراء” وكان بمثابة كلمة السر لاعلان بدء الثورة.

— اطلق الشريف الحسين بن علي رصاصة الثورة العربية الكبرى من شرفة منزله في مكة المكرمة في التاسع من شعبان 1334 الموافق 10 حزيران 1916 .