الحباشنة … ثقافـة الحـوار وتقبـل الآخـر

2016 11 29
2016 11 29

ثقافـة الحـوار وتقبـل الآخـر(1) أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو عندما تسود ثقافة الرأي الواحد بلون واحد لا يحتمل رأيا آخر، ولا يعترف ببقية الألوان. فجماعة الرأي الواحد، وان كانوا حزبا سياسيا، فإنهم يسعون الى بناء نظام شمولي يعتبر كل من ليس معه… هو ضده، وبالتالي من السهولة بمكان أن تلصق به تهمة التآمر والخيانة !. وان كانوا جماعة دينية متشددة، مسلمة كانت أو مسيحية أو يهودية أو من البوذ أو السيخ أو الهندوس، فان ثقافتهم أحادية الجانب والتي لا ترى الا نفسها وتعتقد أنها تحوز على الحقيقة بكليتها، فانه من السهل على هذه الجماعة أن تتهم الآخر بالتكفير وتقيم عليه «حدود الله، والله سبحانه بريء من ذلك، على اعتقادها انها تمتلك وكالة تمثيل الله على الأرض سبحانه، « وأعوذ بالله منهم» !.

وينسحب ذلك على تربية الثقافة الأحادية، وعدم الاعتراف بأي رأي آخر على الاشخاص الطبيعيين، حيث من السهل على أي مواطن أن يحكم على الرأي الآخر بالخطأ، حتى لو كان هذا المواطن لا يمتلك ولو نزرا بسيطا من المعرفة !. نعم انها الحالة التي تسود في أوساط مجتمعنا العربي، بل وان احباطنا المتأتي من اخفاق مشاريعنا الكبرى في الوحدة أو تحرير فلسطين أو تحقيق الوفرة المادية للجميع أو حتى الحصول على قدر من الحرية… كلها عوامل عمقت من الثقافة الأحادية، وعززت ذاتيتنا بالزعم أفرادا وهيئات بأننا نقف على ناصية الحقيقة كل الحقيقة دونما أن نترك ولو حيزا بسيطا لامكانية الاقتباس او الاقتناع أو القبول… بما يمتلك الآخر.

وهي ثقافة أضحت لصيقة بالتركيبة النفسية العربية، رفض النقد وحتى ولو كان النقد ايجابيا، والخلط بين النقد والانتقاد، حتى ان أبديت رأيا آخر مختلفا مع من يشاركك الحديث فلربما يعتبر الآخر بأن نقدك هو سبابا أو شتيمة !!

وهناك أمثلة نراها في الشارع العربي وفي مؤسسات بمجتمعه المدني وفي برلماناته وحتى في مجالس الوزارء. ومرد ذلك الى الضعف الشديد لثقافة الحوار وغياب الف باء المجتمع الديمقراطي وضبابية مفهوم المواطنة !. ان ذلك ليس على مستوى الأنظمة السياسية العربية بل على مستوى البناءين الاجتماعيين التحتي والقومي، حيث وما أن تتفرد مجموعة ما بالحكم او بقيادة لحزب أو جمعية حتى يصبح فكر القائمين عليها هو الفكر السائد الأحادي الذي لا يقبل الرأي الآخر ولا حتى النقاش بما تطرح تلك الجماعات التي تسنمت المسؤولية… وهذا ما يمكن رصده في الحالة العربية وفي كل الاقطار، بحيث ان آلاف بل عشرات الآلاف من اصحاب الرأي الآخر تم تصفيتهم أو تهميشهم أو حتى ابعادهم !. ان هذه الحالة قد أدت الى استقطاب عامة الناس بحيث أصبحوا وقودا للخلافات السياسية أو الطائفية أو المذهبية، والحالة العربية اليوم تزخر بالأمثلة التي تفصح عن نفسها دون أن نذكرها.

(2) لقد كان مرد ذلك في واحد من الأوجه اننا كعرب استنهضنا التاريخ بصورته السلبية القاتمة الملطخة بالدم وبالكراهية وبالاختلاف، فها نحن اليوم بعد أربعة عشر قرنا على استشهاد الحسين -رضي الله عنه- نستنهض هذه الصفحة المهمة من التاريخ فنقسم الأمة بين الشيعة والسنة !، بل وأننا لم نتمسك بالمفاهيم والتوجيهات الايجابية من رسولنا العظيم -صلى الله عليه وسلم- ومن عهدة عمر- رضى الله عنه- في القدس، فيحاول بعض شذّاذ الآفاق ان يقسم المجتمع على أساس مسيحي ومسلم، وبما أن مبدأ القسمة في الرياضيات هو غير متناه فنرى الخلافات بين السنة أنفسهم والشيعة أنفسهم والمسيحيين أنفسهم ! مع أن رسولنا العظيم كان في صحيفة المدينة والتي هي أول مدماك في بناء كينونة الدولة العربية، قد بدأها بمخاطبة الناس ولم يخاطب المؤمنين ولم يخاطب المسلمين. تخيلوا الفرق بين سلوك صانع الامة العربية محمد -صلى الله عليه وسلم- حينما جاء وقت الصلاة وكان يستضيف مسيحيي نجران وقد جاء وقت صلاتهم أن قال» صلوا هنا في مسجدي» بينما يخرج علينا أحد مفتي زمن التراجع والتخلف المعاصر بأن يصدر فتوى عقيمة بالأمس حين يقول « رفع الآذان في الكنائس حرام» ولم يستوعب القيمة المعنوية الكبرى والموقف الوطني الرائع لمسيحيي فلسطين عندما رفع قساوستهم الأذان في كنائس القدس وبيت لحم والناصرة تحديا لقرار الاحتلال الصهيوني بمنعه الأذان!.

وبالمقابل فاننا لن نذهب بعيدا في سرد الوقائع الايجابية في تاريخنا العربي الاسلامي وتجليات العيش المشترك الواحد بين كل الأديان والمذاهب والطوائف في جيل الآباء قبل مرحلة الانتكاسة الفكرية والثقافية التي تعشعش في أدمغتنا اليوم. أذكر وانه في عام 1908 عينت مصر «بغالبيتها الاسلامية» السيد بطرس غالي القبطي كرئيس للوزراء، بل وأن أول رئيس وزراء في الأردن واول رئيس ديوان ملكي وأول قائد للجيش وأول مدير للخدمات الطبية العسكرية كلهم كانوا من العرب «الدروز» غير الاردنيين، بل وأن ممثل مجلس المبعوثان في جنوب الاردن بما فيها تبوك أبّان الدولة العثمانية كان مسيحيا من الكرك، وان فارس خوري الزعيم الوطني السوري وهو لبناني من أصول أرثوذوكسية كان من أهم رؤساء الوزارات في سوريا، بل وفي مرحلة معينة شغل موقع وزير الاوقاف الاسلامية، وان ساطع الحصري اليمني عمل وزيرا للتربية والتعليم في سوريا وفي العراق ورئيسا لمركز الابحاث القومية في مصر… ولم يتوقف احد عند الخلفية المناطقية او الدينية او المذهبية لكل هؤلاء لان الامة كانت في مرحلة نهوض وتسعى الى ردم الهوة بينها وبين العالم المتقدم فسعت الى استنهاض حضارتها التراثية المشرقة وعززت مفهوم المواطنة كبديل لحالة انقسام الملل والاعراق والهويات الفرعية الى جهة مفهوم الامة الشامل، وجسدت معنى المواطنة تطبيقاً لا قولاً.

أمثلة تنطق بالبرهان الدامغ ان ما نشهده اليوم انما هو طارئ ومؤقت ان جيل الآباء في تاريخنا المعاصر لم يكن قد تلوث عقله وسلوكه بما نعيش اليوم من حالة مزرية افتقدنا بها البوصلة حيث قُصت قرون استشعارنا، فلم نعد نميز بين المهم والأهم والهامشي، وبين تحرير فلسطين او ابرام الوحدة، او السعي نحو الحرية ووفرة الخبز كأولويات هامة اسقطناها من حساباتنا وخضنا بأولويات تافهة هامشية لا تخدم الا مصالح الآخر وتصب جميعها بتعزيز مكانة اسرائيل كدولة غاصبة ومحتلة.

(3) هذا هو الحال العربي الذي لا يسرنا ولا يسر اصدقاءنا، بل ويسعد خصومنا، والطامعين بنا وبحضارتنا وبمكانتنا التاريخية بل وبأرضنا، فايران التي تغلف مساعيها ومصالحها القومية الفارسية بغلاف شيعي ابتلعت عربستان وجزر الامارات الثلاث وتسمي الخليح العربي بالخليج الفارسي بل وتطمع ببغداد، الم يقل أحد الملالي منذ فترة أن بغداد هي عاصمة بلاد فارس !؟ وان تركيا كذلك تغلف مصالحها ومطامعها بالأرض العربية بغلاف سني، الم يقل الرئيس التركي مرارا وتكرارا في الآونه الأخيره بانه يريد ضم كل شمال العراق وكل شمال سوريا الى الدولة التركية ! ناهيك عن اسرائيل التي تغذي الصراع المذهبي في سوريا، حيث تقدم السلاح وتعالج جرحى كثير من الفصائل المقاتلة في سوريا والتي تقدم نفسها كفصائل اسلامية.

(4) ان العرب بحاجة الى اعادة بناء ثقافة الحوار والقبول بالآخر مهما كان دين أو مذهب او طائفة هذا الآخر، ليس مطلوبا الاعتراف بهذا الآخر ولكن المطلوب قبوله والاقرار بحقه والغاء مفهوم الاقلية والأكثرية في المجتمع، وتعزيز مفهوم المواطنة والمساواة والعدل بين الناس دونما التوقف عند عرقهم أو دينهم أو مذهبهم أو طائفتهم، فالناس سواسية كأسنان المشط، والعقاب والثواب من عند الله سبحانه وتعالى.

وبعد فان حق الاختلاف وتعزيز نقاط اللقاء بين الناس وفهم الاختلاف على انه تنوع ايجابي انما هو طريقنا لبناء مجتمع متقدم يسعى الى تعزيز الابتكار والابداع والتجريب وتحقيق مفاهيم التعددية وتعزيز مبدأ العيش المشترك ونزع الخوف من قلوب الناس، لان الخوف يؤدي الى العزلة والعزلة تنفي التفكير، وعدم التفكير يؤدي الى انعدام الابداع والتطور، وان لنا في اوروبا أكبر مثل على ذلك عندما دفعوا باقصاء خلافاتهم العقيدية عن مسيرة الدولة فكان أن حققوا نجاحات أصبحنا في مكانة المقلدين لها. وبعد، فان الدولة المدنية التي ذكرها جلالة الملك في ورقته النقاشية السادسة انما تشكل دليلا نظريا مطلوب منا تفعيله، فالدين في منطقة عليا فوق السياسة، الدين قوة مطلقة لا تقبل الصح والخطأ، ولا تقبل التدليس، وكل تلك صفات يمكن ان يمارسها الانسان بفعله الحياتي والسياسي اليومي، لا نقول بفصل الدين عن الدولة، انما نقول فصل الدين عن السياسه، فالدولة تحتاج الى الدين كمنظومة قيمية تشذّب الروح الانسانية وتسلحها بالأخلاق وبالصدق وبالنزاهة وبالصفات الحميدة التي تميز الانسان عن بقية المخلوقات، فاذا أردنا لمجتمعنا العربي ان يتخلص مما انتابه من أمراض اصابته في فكره واخلاقه وسلوكه فعلينا بتعزيز مفردات التربية المدنية واقامة الدولة المدنية واستكمال مؤسساتها في اطار من الحرية والديمقراطية والمساواة وتعزيز المواطنة.

وبالنسبة للحالة الاردنية من المناسب ان اعيد التأكيد على ضرورة ازالة كل الاشارات الحمراء التي تحول بين طلبة الجامعات وبين حقهم في الانخراط بالحياة والشأن العام بما في ذلك الدخول بالاحزاب، فالاحزاب اليوم احزاب دستورية تؤمن بالدولة وبنظامها الهاشمي ولا بد من التخلص من فوبيا الخوف من العمل السياسي المنظم التي رافقتنا لاجيال.. فالشباب طاقة، والطاقة لابد ان تعبر عن نفسها فاما يكون التعبير ايجابيا نافعاً من خلال مشاركة الشباب في الشأن العام او يكون التعبير سلبياً كما هو الحال في جامعاتنا وما حدث في الجامعة الاردنية امس الاول «الاسبوع الماضي» خير مثال…

والله والأمة والوطن من وراء القصد

*ورقة مؤتمر بناء ثقافة الحوار وتعزيز التربية المدنية