الحباشنة: قوة الأردن باستقراره وأمنه وسياساته المتوازنة

2016 08 28
2016 08 28

الحباشنة: قوة الأردن باستقراره وأمنه وسياساته المتوازنةألقى المهندس سمير الحباشنة محاضرة في كلية الدفاع الوطني الخميس الماضي بعنوان «عناصر القوة والبيئة السياسية والاجتماعية في الأردن»

و استهل الحباشنة محاضرته بنظرة على التاريخ والمجتمع والاقتصاد والجغرافيا و النظام السياسي و اخيرا الاتصال مع المجتمعات الدولية، التي وصفها بانها هي عناصر ذات علاقات متبادلة في تشكيل الشخصية الأردنية المعاصرة وتطورها وموقعها الهام كأحد عناصر القوة الوطنية، و بالتالي باسناد أمننا الوطني الاردني بمعناه الشامل.

وتاليا نص المحاضرة

وقفة مع التاريخ

الأردن وما قبل قيام الدولة الحديثة الحالية المعاصرة بنظامها الهاشمي، كان جزءا من الامبراطورية العثمانية، و يتبع ولاية دمشق، و ينتمي بفعل التاريخ و الجغرافيا و وحدة الدم الى سوريا الكبرى، و التي تعتبر من أكثر الأقاليم العربية التي بلورت الشخصية العربية دون أن تؤثر سلبا بها عوامل التنوع الديمغرافي أو تعدد القوى التي حاولت على مر التاريخ احتلال او استعمار سوريا.

فسوريا الكبرى بها تنوع ديني بارز، اسلامي/ مسيحي/ وحتى يهودي، بل وان الاسلام في سوريا يشتمل تقريبا على كل المذاهب المعروفة، وان المسيحية كذلك تشتمل على كل الطوائف. و في سوريا ايضا تنوع عرقي، فالى جانب الأغلبية العربية هناك اكراد و سريان و شركس وأرمن و غيرهم ، ومع ذلك فان هذا الطيف الواسع من الوان الديمغرافيا المذهبية و العرقية لم يؤثر على الهوية العربية و بالتالي الشخصية العربية كهوية جامعة لكل من هو على الأرض السورية ( الكبرى).

و تبعا لذلك فان أهالي شرق الأردن كانوا من المبادرين الأوائل باحداث تطبيقات عملية استجابة لمشروع النهوض العربي، الذي مثلته فكريا و سياسيا بدايات الحركة القومية العربية التي نشأت في دمشق و بيروت تحديدا، و السعي الى بلورة سمات الشخصية العربية في مواجهة الحركة الطورانية و الشخصية التركية، و ذلك ردا على محاولات تتريك العرب.

لقد توضح ذلك بالاداء الفكري العربي النشط في سوريا و لبنان و فلسطين و العراق و حتى مصر، هذا الفكر الذي دعا الى الانعتاق العربي من سيطرة الدولة العثمانية، على ان يكون للأمة العربية وعاؤ ،ها السيادي/ السياسي (الدولة). وان ثورتي الشوبك1900م و 1905 م و ثورة الكرك/الهية 1910 م ، كانت تعبيرات عملية مبكرة ، قدمت مئات الشهداء و ذلك في سياق الطموح العربي و المشروع العربي التحرري الوحدوي.

كما أن الاردن ما قبل الدولة قد شارك بشكل فعال في المؤتمر السوري العام في 8 آذار 1919 م ، و المنعقد في دمشق، و الذي نادى بقيام مملكة عربية في سوريا الكبرى، و طالب بوحدة سوريا و العراق، و كذلك بالوحدة العربية الشاملة، مع التنويه الى دور الاردنيين في الحركة الوطنية السورية.

و قد تبدى دور الأردن في سياق تحقيق المشروع العربي جليا ابان الثورة العربية الكبرى بالتأييد السياسي الواسع لها، و من ثم انضمام آلاف الأردنيين الى صفوفها. و استذكر هنا أنه عندما وصل الأمير فيصل ( الملك لاحقا) الى منطقة الوجه في شمال الحجاز، عقد على الفور اجتماعا بينه و بين الزعيم الوطني الأردني العروبي عودة أبو تايه، فاستقر الأمر على ان يلتحق الأردنيون بالثورة، فتضاعف بعد ذلك جيش فيصل ثلاث مرات، و لقد وصف لورنس العرب ذلك بالقول « بعد أن كان للثورة العربية قائدها( فيصل) اصبح للثورة العربية محاربها(عودة أبو تايه) «.

و الحقيقة التي يجب التنويه لها أن الثورة العربية الكبرى و الفكر العربي الذي قدم لها، وتطبيقاته في الثورات التالية في حوران و جبل العرب «بني معروف» و حلب و الشوبك و الكرك، لم تأت الا بعد أن تحولت دولة الخلافة الأسلامية الى دولة تقوم على العصبية التركية وما ارتكبت من فظائع و جرائم بحق العرب. اذا فالثورة العربية لم تكن ضد الخلافة، لكنها جاءت كرد على العثمانيين عندما نكثوا بالعقد التاريخي الأدبي بينهم و بين العرب و سعيهم الدائم الى تجهيل الأمة، بل و العمل على تتريكها. و يكفي القول بأنه عندما اخترعت آلة الطباعة صدر مرسوم سلطاني يمنع بموجبه أن يتم عمل آلة طباعة باللغة العربية، بل و تخيلوا ان بين القرنين السابع عشر والثامن عشر انه لم يتم طوال مائة عام طباعة سوى 13 كتابا باللغة العربية. لقد بقي العرب تحت سيطرة العثمانيين بحالة من التجهيل و الضياع و السبات واعتداء الأمم الأخرى على اقطارهم دون اكتراث فعلي من الدولة الأم.

لقد عمل العثمانيون على تنويم الأمة العربية طوال خمسة قرون.. و هو الذي أدى الى هذا البون الواسع الحضاري بين العرب و الأمم الأخرى.

المجتمع الأردني

كان المجتمع الاردني عشية قيام الدولة المعاصرة مجتمعا فلاحيا رعويا، يعيش باهمال كلي من قبل السلطات العثمانية. فلم يكن في شرق الأردن كلها سوى مدرسة واحدة، وان المدارس التي أسست لاحقا في الكرك و السلط و اربد كانت بمبادرة الأهالي و على حسابهم، و لم يكن في الأردن كلها سوى عيادة صحية واحدة، و كانت التجارة في الحواضر الرئيسية تعود الى عوائل شامية و فلسطينية، و كانت العلاقة ضعيفة جدا بين الدولة و المواطنين، و هي علاقة ينقصها الود على أساس ان الدولة تعني الجباية و فرض الضرائب الباهظة على المواشي و المحاصيل الزراعية.

الا ان المجتمع الاردني، و منذ ان قامت الامارة و من ثم المملكة بعد الاستقلال، قد تطور بصورة كبيرة في كافة مناحي الحياة من تعليم و صحة و اقتصاد و بنية تحتية و تطوير واضح في العلاقات الاجتماعية، بين رأسمالية ناشئة و طبقة عاملة و تنوع اقتصادي كبير. وان الذي يجب الاشارة اليه ان وحدة الضفتين قد اسهمت بالاسراع بتطور الدولة على كافة الأصعدة الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية. و نستطيع القول بأن الدولة الاردنية قد تمكنت من تعزيز مفاهيم التنوع بمعانيها الايجابية، فالعلاقات ايجابية و مستقرة بين الاردنيين بأصلوهم الاردنية و الفلسطينية، و كذلك استقرار مفاهيم العيش المشترك بين الاردنيين و المسيحيين، بالاضافة الى الاستيعاب الايجابي للأعراق الأخرى التي هي بين ظهرانيهم.

والحقيقة ، ان لذلك أسبابه، فان البيئة الاجتماعية لشرق الاردن و قبل قيام الدولة المعاصرة لم تكن بيئة مغلقة، و كان الوجود الديمغرافي متحركا و متواصلا مع بقية المناطق في اطار سوريا الكبرى و العراق و الجزيرة و حتى مصر.

كما ان البيئة الاجتماعية في شرق الأردن قد ورثت كذلك تنوعا دينيا اسلاميا ومسيحيا، حيث ان المسحيين العرب شكلوا على مدار التاريخ جزءا أصيلا في التكوين الاجتماعي الأردني. ولقد كان للقيادة الهاشمية باعتبارها صاحبة مشروع عربي و حدوي دورا بارزا في ذلك، وشكلت جامعا متينا بحياد ايجابي نحو كل مكونات المجتمع، و استطاعت الدولة أن تؤسس الى حد بعيد مفهوم المواطنة بمعناه المعاصر.

وبالنظر الى الواقع الراهن لابد من التنويه الى ان هذا النسيج الاجتماعي المستقر والى حد بعيد مهدد بخطورة الرياح السوداء التي تهب علينا من كل جانب، فالانقسامات المذهبية في العراق و التطرف الاسلاموي الذي تمثله داعش و من هم في خانتها تحتاج لتنبه شديد الى بنية مجتمعنا الأردني، و تحتاج الى حملة مستمرة من التوعية و التثقيف، و كذلك مراقبة الهيئات الثقافية والدينية، و خطب الجوامع و الدروس الدينية في الجوامع و الكنائس، سواء بسواء، حماية لنسيجنا الاجتماعي و استقرارنا الوطني. و بهذا الصدد لابد من تفعيل قوانين الحماية الوطنية، بل و تغليظ العقوبات على كل من يتجاوز أو يسعى الى المس بالامن الوطني بمعناه الشامل.

الاقتصاد – واقع الحال

كما قلنا فان الاقتصاد الاردني قد تطور بصورة كبيرة بفعل طموح المواطنين و مبادراتهم و بفعل الاستقرار السياسي و بفعل حفز الدولة و القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية. لكن لابد من القول، ان اقتصادنا اليوم هو في خانة المعاناة، فبالاضافة الى الظروف الموضوعية الاقليمية التي تحيط بالأردن و ما تحمل من آثار سلبية على الاقتصاد و ظروف جلب الاستثمار، فاننا في الحقيقة لم نستطع كدولة ان نبلور بعد رؤية اقتصادية بمرجعية اجتماعية، تعيد للمجتمع توازنه، و تعيد للطبقة الوسطى مكانتها و توقف اضمحلالها.

و حتى لا يكون حديثنا محضا نظريا، نشير الى ان عمان واحدة من أغلى مدن العالم ! و هذا يعني غيابا كليا للرقابة على الأسعار والذي يعني بأن عوامل السوق لا تعمل بالحرية الكافية التي هي سمة الاقتصاد الحر، كما يعني انتفاء الأداء الموازي للدولة الذي من شأنه تخفيف غلواء الربح الكبير و السريع. كذلك فان مداخيل 90% من الاردنيين هي أقل من 500 دينار اي عند مستوى الفقر أو اقتصاد الكفاف ، وان البطالة فوق 14% و الوظائف في القطاعين العام والخاص جد محدودة، حتى ان الدولة لم توفر طيلة النصف الأول من العام الماضي وفي القطاعين العام والخاص الا أقل من وظيفة واحدة لكل الف مواطن في محافظات الكرك والمفرق و جرش و عجلون، علما بان البطالة في صفوف الشباب تزيد عن 30% مع التزايد الضخم لأعداد الخريجين وانخفاض الاستثمار الاجنبي لهذا العام بنسبة 37% مقارنة بالعام الماضي.

وبتقديري أن الخصخصة و التي لم تتم بشفافية و نزاهة كافية لم تكن بالمستوى المأمول والذي بينه تقرير اللجنة الملكية المشكّلة لهذه الغاية. كانت من اسباب اضعاف قدرة القطاع العام و الدولة بشكل عام على مجابهة الاشكاليات الاقتصادية الاجتماعية المركبة، حيث تلجأ الدولة الى الاقتراض لمقابلة ذلك. مع التنويه لشح الموارد و عدم استجابة الاشقاء العرب و تفهمهم لأهمية الأردن الجيوسياسية و ضرورة تمكينه من الوقوف على رجليه.

ان المشكلة بوضوح ان المدارس الاقتصادية المهيمنة على قرارنا الاقتصادي هي مدارس لم تخرج من صدفة التقليد الأعمي للنماذج الرأسمالية الكبرى الأمريكية او الاوربية، بل ولم تأخذ بالمميزات الاجتماعية الكبرى التي تقدمها هذه النماذج الى مواطنيها، و لم تستطع اجتراح نموذج خاص للوضع الاردني من حيث الامكانات و من حيث المتطلبات.

و بالخلاصة فان الدولة الاردنية مطالبة و بالحاح ان تتحول من الاقتصاد الحر المنفلت الى نموذج من الاقتصاد الحر المنضبط، اي أننا بحاجة الى وقفة مراجعة واعادة نظر بسلوكنا الاقتصادي واعادة توليف الامكانيات بحيث تعطي مخرجات أكبر، و الأهم توزيع تلك المخرجات بعدالة.

الجغرافيا

الواقع ان الأردن يقع في بؤرة صراعات كبرى تحيط به من كل الجوانب، فعلى الكتف الغربي للدولة هناك مشكلة المشاكل، و المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار الاقليمي او حتى الدولي، و هي القضية الفلسطينية، و المتمثلة بذلك التعنت الاسرائيلي، و انكاره للحقوق التاريخية و المشروعة للشعب الفلسطيني و ادامة الاحتلال بل و الاصرار على ضم القدس لما لها من مكانة دينية لدى العرب مسلمين و مسيحيين و لدى العالم الاسلامي بعامة. بل و التلويح الدائم من قبل الاحزاب الاسرائيلية بحل المشكلة الفلسطينية على حساب الاردن، ولما لهذه الشعارات من خلق حالة من التوتر و تنامي الهواجس بين الأردنيين تبعا لأصولهم…

وان ذلك يتطلب موقفا واعيا و خارطة طريق يستشهد بها الأردنيون و الفلسطينيون، مهيأة لاستيعاب كل أشكال العدوان المحتملة من قبل اسرائيل. و قناعتي الشخصية بانه لا يوجد لكل من الفلسطينيين والاردنيين الا مستقبل سياسي واحد،بل و كينونة سياسية واحدة. والى أن نصل الى ذلك فان على القوى الحية في الأردن و فلسطين ان تضع مثل هذه الخارطة كأساس لوحدة الهدف و المصير والدم. دون أن يغيب عن البال ان العدو واحد، و ضرورة التنبؤ الى خططه الرامية الى نقل الصراع و تحويله من شكله الرئيسي بين العرب و الفلسطينيين من جهة و اسرائيل من جهة أخرى الى شكل ثانوي بين العرب أنفسهم، و علينا ان لا ننسى دور اسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت أكثر من عقد و نصف.

ان قوى الظلام والذي تمثلها التنظيمات المتطرفة التي تدعي انتماءها الى الاسلام، تمثل خطرا كبيرا على الدولة الاردنية و استقرارها، و خصوصا ان هذه التنظيمات موجودة بالفعل على كتف الدولة الشمالي الشرقي، وان وجودها مرشح لأن يتكثف خصوصا بعد اندحار داعش من الأنبار و اقتراب موعد معركتي الموصل و الرقة.

ان التبدلات الدراميتيكية في مواقف الأطراف الأقليمية المتصارعة في الحرب على سوريا، وتبدل الموقف التركي و انحيازه الوشيك كليا الى جانب محور موسكو/ طهران / دمشق، و بالتالي التخلي عن هدف اسقاط نظام الأسد، يعني ان دبلوماسيتنا الأردنية معنية بمرونة و تفعيل الدور الأردني و بتجديد معطياته و تحالفاته، مذكرا بأن السياسة الاردنية لم تذهب بعيدا بالاصطفاف مع هذا الطرف او ذاك. فالاردن الذي قدم تسهيلات الى المعارضة المعتدلة، بنفس الوقت لم يقطع علاقاته الرسمية مع دمشق، و أبقى على السفارة في عمان، وسمح للمواطنين السوريين ان يدلوا بأصواتهم في سفارة بلادهم في الانتخابات الرئاسية، كما يرشح بأن لقاءات على مستويات رفيعة تتم بين الفينة والأخرى بين مسؤولين أردنيين و سوريين. ان الموقف الاردني من الكارثة السورية موقف مرن، ولابد أن يجدد من تحالفاته دون ان يلغي تحالفاته السابقة، فخطر قوى الارهاب على الأردن تحتم علينا مثل تلك السياسة.ان الجغرافيا قد وضعت الأردن في مواجهة مشكلة اللجوء السوري، باعتباره الأقرب جغرافيا و الأقرب ديموغرافيا الى سوريا، فاضطر من باب الأخوة العربية ان يشرع أبوابه أمام الأشقاء السوريين. و لديه اليوم ما يزيد عن 1.5 مليون من اللاجئين السوريين، يقاسموننا الموارد على شحتها، مقابل ذلك دعم دولي و عربي لا يغطي أكثر من 30 % من كلفة اللجوء السوري. وعليه فان مشكلة اللاجئين هي من الخطورة بمكان على الامن الوطني الاردني و تضغط بقوة على البنية الاجتماعية و الاقتصادية ، و تضاعف من الأكلاف الأمنية المترتبة على الدولة. فالأردن بلد مضطر ان يخصص جانبا كبيرا من موازناته للأمن و احتياجاته.ان الجغرافيا السياسية الأردنية منطقة وصل عربية من جهة، لكنها جغرافيا تهدد أمننا الوطني وفق المعطيات التي ذكرناها أعلاه من جهة أخرى، ان لم يتم تعزيز معنى الأمن الوطني بكليته و ابعاده الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الامنية المجردة. خلاصة، فان من العوامل الايجابية التي يتكيء عليها الأردن هو استقراره الداخلي، و الامن المتوفر لمواطنيه، و سياساته الاقليمية و الدولية المتوازنه، فالأردن على صلة ايجابية مع كل الاطراف الاقليمية المتصاعة، و الأردن الذي يعتبر حليفا للولايات المتحدة لم يمنعه من أن يبني أقوى العلاقات مع روسيا و الصين. وان سلامة الأردن و ضمان أمنه و استقراره بقدر ما تلعب العوامل الداخلية الذاتية القدر الأكبر في ذلك، فان العامل الموضوعي الخارجي و المتمثل بالدعم العربي و الدولي و تفهم ظروفه الداخلية، و اشكالياته، و جغرافيته غير المرنة، هي مسائل لا تنعكس على أمن الأردن وحده، بل على أمن المنطقة برمتها.