الحباشنة يكتب: اللامركزية.. ميلاد بعد مخاض صعب ومقدمات تسبق التطبيق

2016 01 24
2016 01 24

12366490_929296203827446_576455821832646082_nوبعد مخاض صعب وطويل، لعقد أو يزيد من الزمن، وبعد جدل ومحاولات عرقلة، مرة من بيروقراطيين محافظين، ومرة ممن يؤمنون بقشرة الإصلاح ولا يؤمنون بالإصلاح ذاته، ومرة من اشاعات حاولت أن تعطي اللامركزية مدلولات سياسية غامضة.

بعد هذا المخاض، ولد قانون اللامركزية، بعزيمة الملك ومن معه من المؤمنين بأهمية تطوير اداء الإدارة الأردنية والارتقاء بها، وبرشاقة قراراتها الاقتصادية والتنموية، وامتدادها أفقيا على ساحة كل الوطن الجغرافية وتجمعاته السكانية… قريبة كانت أو بعيدة عن العاصمة، سواء حظيت تلك التجمعات السكانية بمسؤولين ومتنفذين أو لم تحظ بذلك.

1 – هو الميلاد يشبه تماما ميلاد طفل ولد سليما، لكنه بحاجة إلى برنامج غذاء ووقاية خاص، يمكنه من تجاوز مرحلة الرضاعة ليصبح أكثر اعتمادا على النفس وقدرة على مواجهة الصعوبات. هكذا هي حالة قانون اللامركزية الآن، في مرحلة ذاك الرضيع، حديث الولادة، الذي يحتاج وقبل الشروع بتنفيذه وترجمته على الواقع والعمل به إلى جملة من المقدمات، تؤهله لأن يرتقي الى ما نأمل منه، لينتقل أداء الدولة الإداري/ والاقتصادي/ والتنموي، فيصبح قادرا على تحقيق أولوياتنا الوطنية، وتصحيح مسارات انفاق الدولة، وفق مسارات تحاكي احتياجات المواطنين الأردنيين في مناطقهم وفي تجمعاتهم السكانية، ووفق برنامج يستطيع أن يخرج القوى الكامنة البشرية من كمونها لتصبح معطاءة، ولنتعامل مع ثرواتنا الوطنية على اختلافها بحيث تستجيب الى متطلبات التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وخلافه.

2 – أول المتطلبات يبدأ بوضع نظام او “أنظمة” و تعليمات محددة، من شأنها شرح مواد قانون اللامركزية، وخصوصاً تلك التي جاءت عامة، وربما مبهمة او تصعب على الفهم، تمكننا من رسم شكل ومعالم نموذج “model” اللامركزية الذي يناسب الحالة الأردنية، بما في ذلك ترتيب وتوضيح العلاقة التي تربط ما بين الحكومة المركزية ووحدة اللامركزية، بمجلسيها “التنفيذي والمحافظة”، وكذلك علاقة اعضاء المجلس التنفيذي بوزاراتهم في المركز، والحدود الفاصلة بين صلاحيات جهات القرار المختلفة. اضافة إلى أهمية بيان علاقة المجلس التنفيذي بالبلديات، وتحديد أدوار كل منها، على قاعدة أن المجلس التنفيذي معني بصلاحيات إدارية واقتصادية وتنموية في الاطار الكلي “المحافظة”، واما البلديات فهي معنية بالمسائل الخدمية في الاطار الجزئي “في اطار حدود البلديات”.

3 – وفي ذات السياق، فان من الضرورة بمكان إعادة ترتيب موازنة الدولة، مع الاخذ بعين الاعتبار قانون اللامركزية، بحيث تتحدد آلية جديدة لوضع الموازنة، بما فيها التخصيصات المتعلقة بالمحافظات وآليات ايصالها وانفاقها ومسؤوليات كل من الحكومة المركزية ووحدات اللامركزية في المحافظات… وكذلك الجزء الخاص من الموازنة والمتعلق بالمشاريع والانفاق الجاري، الذي له طبيعة “وطنية”، على مستوى الدولة، والذي من اختصاصات الحكومة المركزية ككل، ولا علاقة لوحدات اللامركزية في المحافظات به.

والامر ذاته بتطلب ايضاح مراحل وضع الموازنة، بدءا من مستوى المسؤولية الأدنى، أي على مستوى وحدات اللامركزية، ودور كل من المجلسين التنفيذي والمحافظة بها، صعوداً إلى مستوى المسؤولية الأعلى، أي الحكومة المركزية والبرلمان، وذلك وفق معايير موضوعية وعلمية، توضع لهذه الغاية للتخصيص المالي، والمرتبط بالحاجة الفعلية والاولويات وامكانات الدولة في إطار الحجم الكلي للموازنة.

4 – ان التطبيق الناجح للامركزية يتطلب بيان الوظائف القيادية المطلوبة في كل محافظة، بحيث يتم اجراء مناقلات من المركز وبشكل رئيسي من وزارتي التخطيط والصناعة وتشجيع الاستثمار الى المحافظات، وكذلك المناقلات بين مراكز الوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى ودوائرها في المحافظات، وذلك في ظل الحاجة الفعلية لكل مجلس تنفيذي من الاختصاصات المختلفة.

إن الأمر ذاته ينسحب على أهمية ترتيب العلاقة بين المجالس التنفيذية في المحافظات وديوان الخدمة المدنية، وفيما يتعلق بالوظائف الخدمية والفنية من فئات التعيينات الجديدة من الجامعيين والفئتين الثالثة والرابعة، بحيث يتوضح ان كان ملء هذه الوظائف هو في إطار صلاحيات ديوان الخدمة المدنية مركزيا، أو نقل هذه الصلاحية للمجالس التنفيذية في المحافظات، أو ايجاد سبيل لبناء علاقة تشاركية بين هذه المجالس وديوان الخدمة المدنية.

ان تطبيق قانون اللامركزية يحتاج الى دورات تدريبية مكثفة، في الداخل وربما في الخارج، لرفع كفاءة ومهارة الحكام الإداريين واعضاء المجالس التنفيذية على مفهوم اللامركزية وأهدافها وتطبيقاتها المختلفة، وبالتالي فهم واستيعاب النموذج الأردني للامركزية ومراميه. كما أن الأمر يقتضي مساقا تدريبيا يضعه خبراء إداريون وتنمويون، يتم عقده في المحافظات على شكل ورشات عمل موسعة ومستمرة لمنتسبي أجهزة اللامركزية على اختلافها. والحقيقة أن الأمر من الأهمية بمكان، بحيث يؤسس إلى معهد يدرس اللامركزية أو الاستعانة بمعهد الإدارة العامة وتطويره ليطلع بهذه المهمة، مذكرا بأن الحكومة الفرنسية وحين كان دوفيلبان وزيرا للداخلية، ان أبلغنا باستعداد الحكومة الفرنسية، أن تنشئ في عمان معهدا اقليميا يدرس اللامركزية، دعما لفكرة الملك عبدالله الثاني، وتوجهات الحكومة، كسبيل للادراة الناجحة.

وبعد…

فمن الضروري ان لا نبدأ بتطبيق اللامركزية، الا بعد أن يتم الاعداد لها، وفق ما ذكرت أعلاه، وأن يبدأ تطبيقها في البداية في محافظة واحدة كنموذج تجريبي “Pilot Project”، حتى ينتقل القانون من فكرة على الورق الى حقيقة على أرض الواقع، وحال نجاح ذلك المشروع التجريبي، نذهب قدما بتعميمه على كافة محافظات المملكة.

ان تطبيق قانون اللامركزية يحتاج بتقديري الى سنتين من الاعداد والعمل الجاد، حتى نتمكن من تطبيقه عمليا للانتقال في الإدارة الأردنية إلى ما نصبو اليه.

المهندس سمير الحباشنة – الغد