الحباشنة يكتب :رسالة الملك إلى دولة الرئيس..”محاولـة فـي كـيـفـية الـتـطبـيـق”

2014 04 02
2014 04 02

20أمس الأول أرسل جلالة الملك رسالة توجيهية الى دولة الرئيس والحكومة، يطلب بها وضع «خطة عشرية» للنهوض بالاقتصاد الوطني والارتقاء بمستوى المعيشة للمواطنين….

الحقيقة ان هذه الرسالة حملت أفكارا تنم عن معرفة بحال الاقتصاد ووضع المواطنين، وبيّنت السبل التي يجب أنْ تتبع وصولا الى الارتقاء بالاقتصاد من حالته الراهنة الى حالة أرقى، وانها تأتي في سياق منظومة فكرية اصلاحية حملها الملك منذ سنوات تتضمن مفاهيم للاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

الذي يعرف الملك عبدالله الثاني -ولو قليلا أو يتابع أحاديثه- لا بد أن يستشف ان طموح الملك كبير، ويسعى الى أن ينتقل بالأردن ليصبح «السويد» بسرعة البرق. وتقديري أن السبب الرئيس الذي يقف عائقا بين الملك وبطء تحقيق أفكاره وترجمتها على الأرض هو أن الطواقم التي تسلمت المسئولية اما انها لم تكن كفؤة او حملت أفكارا استنساخية من بلدان لا تشبهنا لا من حيث الواقع ولا مرحلة التطور أوانها لم تأخذ وقتها الكافي لرسم معالم طريق اصلاحي يصل الى ما يصبو اليه الملك والشعب الاردني.

في هذا الحديث أحاول أن ألقي الضوء على بعض مفاصل ما ورد في التوجيه الملكي انطلاقا من قناعات راسخة اعتقد بصوابيتها، تبلورت من خلال نقاشات طويلة في اطارات الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة ومن خلال تجربتي المتواضعة في مواقع المسئولية المختلفه.

قطاع الطاقة

أشار جلالة الملك الى أزمة الطاقة وانقطاع الغاز المصري، وارتفاع فاتورة مشترياتنا من البترول ومشتقاته المختلفة… واعتقادي أن هذه المعضلة المزمنة يمكن التعامل معها عبر تكريس جهود الدولة نحو الصخر الزيتي، فالدراسات تجمع أن احتياطي البلاد من الصخر الزيتي يصل الى 60 مليار طن وبنسبة تقطير 10% يعني ذلك ان لدينا 6 مليارات طن من النفط تكفينا مئات السنين…! اذا ليس لدينا أزمة بالمعنى الجوهري، وان المطلوب أن تتوجه ارادة وادارة الدولة وفعلها نحو استخراج النفط من الصخر الزيتي، مستدركا بأن الجهود المبذولة في هذا الشأن هي أقل من متواضعة، وأن على الدولة أن تبادر الى تأسيس شركة وطنية تسهم الحكومه وأذرعها المالية بنسب معقولة، وتطرح ما تبقى للاكتتاب الوطني… والعربي، حيث تأخذ هذه الشركه امتياز التنقيب بكامل مساحة المملكة وتستقدم الخبرات اللازمة، وبالتالي فان حل مشكلة الطاقة ممكن ان تنتهي خلال بضع سنوات بعد أن يبدأ هذا المشروع بالانتاج الاقتصادي.

انني هنا لا اخترع «العجلة» انما أحاول أن أتمثل تجارب سابقة للأردن باستخراج الفوسفات والمصفاة والبوتاس والتي بدأت على هذا النحو. إذْ نعلم أن رأس المال الخاص لا يقدم على المشاريع الوطنية والتي تكون به دورة رأس المال بطيئة وبه بعض المخاطرة، فالمبادءه يجب أن تأتي من الدولة والحكومة وأذرعها المالية والفنية… وأكرر بأن اقتراحي هذا هو اشتقاق لتجربة أردنية سبق أن نجحت واعطت أُكلها.

أرتفاع الاسعار

أشار جلالة الملك في توجيهه الى الحكومة الى معاناة المواطنين من ارتفاع الأسعار… واعتقد أن على الحكومة واجبا كبيرا في ضبط الأسعار ليس من باب االتدخل المباشر ولكن من باب خلق نوافذ تسويقية موازية للقطاع الخاص من شأن هذه النوافذ أن تبقي الأسعار في حدودها المعقولة، وعدم التلاعب من البعض بتوجيه أدوات السوق، حيث يحد هذا التلاعب من نزاهة تفاعل عوامل السوق فتنحو الأسعار منحى الارتفاع لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب المواطنين، ويكفي أن أضرب مثلا لأبرهن على ذلك… فمنظمة الفاو تقول، إن أسعار المواد الغذائية قد انخفضت في السوق العالمي العام 2013 بنسبة 5% ومع ذلك فان أسعار المواد الغذائية قد ارتفعت في السوق الأردني بنسبة 7%، بمعنى أن عوامل السوق قد أُرغمت على رفع الأسعار بنسبة 12% بفعل فاعل حقق ارباحا غير مشروعة على حساب جيوب المواطنين.

اقترح هنا أن يتم تفعيل الأسواق الاستهلاكية للمؤسستين المدنية والعسكرية والمنتشرة في كافة ارجاء البلاد، عبر تحويل دعم المحروقات الذي تقول الحكومة بأنه يزيد عن مئتي مليون دينار لهذه المؤسسات، حيث ستوفر هذه المؤسسات سلعا مدعومة بحيث يتاح دخول هذه الأسواق للشرائح التي تتحصل على دعم المحروقات فقط، أي الشرائح المستهدفة بالدعم من قبل الحكومة، سواء كانوا مستخدمين في القطاع العام أو الخاص أو حاملي بطاقات المعونة الوطنية. ان من شأن ذلك أن يبقي الأسعار في اطاراتها المعقولة ويضمن نزاهة تفاعل عوامل السوق ويحد من ظاهرة التضخم ويحول دون الاحتكار الذي تحدث عنه جلالة الملك.

استقرار مؤسسات صنع القرار الاقتصادي

ان واحدة من أهم المعضلات التي تؤدي بنا الى عدم انجاز تطلعات الملك -التي هي تطلعات المواطنين- تلك التغيرات السريعة في مواقع صنع القرار الاقتصادي في البلاد، فعمر الحكومات يقل عن سنه، وكل حكومه تأتي تذهب الى تغيير القيادات الوسيطه في المواقع المختلفه مما يؤدي الى عدم استكمال برامج الحكومات فنبدأ من نقطة الصفر مع كل حكومه جديده بسياسة جديدة يحول ذلك بيننا وبين تراكم الانجاز وبالتالي التخبط في سياسات تكون متناقضة في أغلب الأحيان.

ومن تجربة شخصية لي في وزارة الزراعة، كنت طرحت عدة مشاريع لتحسين واقع الزراعة والأمن الغذائي في المملكة، مثل مشروع لزراعة الأعلاف في البادية، ومشروع وطني لتقليم الغابات، ومشروع آخر لاصلاح الآبار الرومانية لتعزيز المخزون المائي، ومشروع لانشاء مختبرات قياس السميه في مناطق الانتاج وعلى الحدود، وآليات لمراقبة نوعية وأسعار مدخلات الانتاج المستورد، ومشاريع استصلاح في البادية على غرار مشاريع توطين البدو التي انجزها المرحوم وصفي التل، واستغلال المياه المتدفقة من البادية بالاضافة الى تعزيز مكانة شركة الأمن الغذائي والتي ذهبت في خبر كان….! وكلها مشاريع تم رصد المخصصات المالية والفنية اللازمة لها. وأعتقد أنّ العديد من المسؤولين في قطاعات مختلفة قد مروا بتجارب مماثلة.

كل هذه الأفكار/المشاريع المقترحة ذهبت بفعل التغييرات المستمرة وبفعل عدم وجود آلية تسمح باستمرار المشاريع الحيوية في كافة قطاعات الدولة رغم تغيير الحكومات والمسئولين ! انني أقترح هنا ضرورة تشكيل وحدة للمشاريع الاستراتيجية في رئاسة الوزراء، تكون مهمة هذه الوحدة عدم توقف المشاريع ذات الطبيعة الاستراتيجية عند تغيير الحكومات.

تنمية المحافظات

لا يكاد يخلو خطاب للملك من الحديث عن تنمية المحافظات… إن تنمية المحافظات والألوية لن تتم وفق نسق القرار المركزي الذي تتبعه الدولة، فتنمية المحافظات تتم فقط عبر اللامركزية التي نتحدث عنها منذ عقود، محاولة وصفي التل، محاولة عبد الحميد شرف، محاولة عبدالسلام المجالي، وآخرها محاولتي أبّان وجودي في وزارة الداخلية التي تمكنت من وضع القاعدة المعرفية والعلمية وتحديد الأنموذج الأمثل للحالة الأردنية في موضوع اللامركزية بعد دراسة تجارب دولية في هذا الخصوص، تجربة النمسا، تجربة فرتسا، تجربة مصر، تجربة ألمانيا واليابان،.. ترافقت ذلك بتشكيل فريق وطني مؤهل من داخل الوزارة وخارجها، وكانت الخلاصة ان تقدمنا بمشروع قانون لللامركزية الادارية كسبيل لتنمية المحافظات ونقل القرار الاقتصادي من المركز الى المحافظات، تضمن تشكيل الهيئات والأذرع اللازمة وبيان اختصاصاتها و علاقتها بالمركز، حيث نال هذا المشروع مباركة جلالة الملك، وكنا على وشك البدء..

…فجأة أحبط المشروع من قبل البعض آنذاك الذي فاجأنا بما سمي بتشكيل لجنة الأقاليم التي أوقفت مشروع وزارة الداخلية وخرجت بمولود «ولد ميتا»، ثار على أثره نقاش وطني كبير، وكنا في الجمعية الأردنية للعلوم والثقافه أول من تصدى لهذا المشروع الغير قابل للتطبيق. وكان أن تابع جلالة الملك هذا النقاش وأصدر توجيهاته بايقاف الحديث عن اللامركزيه في اطار الاقاليم وأعطى توجيهاته باجتماع في الديوان الملكي كان لي شرف المشاركه به أن يتم تطبيق اللامركزية في اطار المحافظات… ومنذ تاريخ ذلك التوجيه وحتى اليوم وجلالة الملك يحث الحكومات المتعاقبه بالسير قدما باللامركزية كسبيل لتنمية المحافظات… ولكن لا مجيب !!

التنافسية وجذب الاستثمار

لا يخلو خطاب ملكي من حديث عن جذب الاستثمار والتنافسية ومنع الاحتكار، ومع ذلك فانني قد استمعت لمصطلح من مستثمرين عرب يلخص حالة الاستثمار العربي والأجنبي في الأردن بوصفهم للأردن وعلاقته بالاستثمار بأنه « مثلث برمودا» الذي يلتهم الطائرات والسفن دون معرفة السبب!! وأود هنا أن أذكر تجربة لي ابّان وجودي في وزارة الداخلية حيث التقطنا توجيه جلالة الملك بضرورة توطين رأس المال العراقي في الأردن، حيث اتخذت اجراءات واسعه في هذا الشأن تُوجت باقتراح تشكيل شركه قابضة من المتمولين من الأشقاء العراقين برأس مال مقترح يصل الى 600 مليون دينار وبقائمة مشاريع تصل الى أربع مليار دينار اردني لاقامة مشاريع انتاجية في كافة مناطق المملكة، لانتاج صناعات مختلفه لاحتياجات السوقين الاردني والعراقي، بل واقامة بنك عراقي أردني، يعمل في الاردن والعراق، حيث التقى جلالة الملك ولمرات عده بهذه المجموعه وبارك خطواتها. حيث ايتدأ العمل بدعم جلالة الملك وبتكليفه المباشر لي بأن أتابع خطوات هذه المجموعه وصولا الى ترجمة أفكارها الى حقائق على أرض الواقع.. وما أن غادرت الحكومه حتى ذهب هذا الجهد ولم تجد الفكره آذانا صاغيه فماتت في مهدها، واعتقادي باننا قد أضعنا فرصه كبيره بعد غزو العراق، ولم نتمكن من جذب رأس المال العراقي وتوطينه فرحل الى أقطار مجاورة وأجنبية. واعتقادي أننا لا زلنا في حقل تشجيع الاستثمار نتحدث أكثر مما نعمل، ولم تنجح الحكومات المتعاقبة باجتراح آليات مناسبه لجذب الاستثمار العربي والاجنبي بل واعتقد بأن تصنيفنا من الدول «الطاردة للاستثمار» هو تصنيف به وجاهة.

على الحكومه أن تلتقط التوجيه الملكي وأن تضع آليات لجذب وحماية الاستثمار الأجنبي وتخليصه من علق الابتزاز والشراكات غير المشروعة التي يتعرض لها المستثمر الأجنبي في البلاد، بل ويمكن تكليف هيئة مكافحة الفساد بملاحقة المبتزين ومدّعي النفوذ حتى يحس المستثمر العربي والأجنبي بالأمان، بالاضافة الى تخفيف الحلقات البيروقراطية التي تواجه الاستثمار وتحول دون التنافسية النظيفة.

اللاجئون

… الى متى ستبقى بلادنا تعاني من التبعات السلبية للجوء السوري والمتزايد يوما بعد يوم ؟ فالبنية التحتية تنوء بهذا الحمل، والإخوة السوريون ينافسون أبناءنا على الوظائف، ولدينا نقص في المياه وفي الكهرباء، ونقدم سلعا مدعومة، ومع أن الموضوع السوري هو موضوع اقليمي وعربي بامتياز، فلماذا لا يشارك العرب مشاركة فعالة بتحمل تبعات اللجوء السوري الى الأردن، علما بأن دولا أكبر من الاردن من حيث المساحة والاقتصاد توقفت عن استقبال اللاجئين السوريين !

ان على الدولة الاردنية أن تبدل من خطابها حول اللجوء السوري وان تتوقف عن طلب المعونات، وتحميل العبء للدول المعنية وبالذات تلك التي على تماس بالقضية السورية واستمرار الحرب بهذا البلد الشقيق. وبعد، فان توجهات جلالة الملك السليمة وخطابه الفكري والاقتصادي والسياسي يحتاج الى وقفة تأمل تتشارك بها كافة القوى الحية في بلادنا، بحيث ينبثق عن وقفة التأمل تلك آليات ترجمة هذا الفكر الى حقائق على أرض الواقع، وان تتوقف مراكز صنع القرار الاقتصادي عن دورها الرتيب في تسيير الاعمال نحو مبادرات خلاقه عملية تسعى بالأردن نحو آفاق أكثر تقدما ونموا وتحقيق تطلعات المواطنين التي طالما انتظروها في حياة فضلى والله من وراء القصد (الدستور)