الحرب العالمية الجديدة

2015 11 20
2015 11 21

CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 75
CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 75

نقترب فعلا من حرب عالمية ثالثة، حسب التوصيف المبكر الذي أطلقه جلالة الملك عبدالله الثاني للحرب على الإرهاب. وقد أصبح لكل واحد من الأطراف الدولية الرئيسة قضية وطنية خاصّة مع الإرهاب تأخذ الأولوية المطلقة، وآخرهما روسيا وفرنسا؛ إذ نجح تنظيم “داعش” في توجيه ضربة قاسية جدا للبلدين. بينما تم اكتشاف مشاريع فشلت أو كانت قيد التحضير، توضّح أن العديد من الدول كانت محل استهداف. و”داعش” هو العنوان الرئيس الذي ستتحد ضده كل البنادق، على ما بينها من تناقضات ثانوية. لكن حين نتذكر التنظيمات المثيلة التي تقوم بنفس الممارسات المرعبة من باكستان شرقا إلى نيجيريا ومالي غربا، فنحن بالفعل أمام مواجهة عالمية بين معسكرين: دول القانون وتنظيمات الإرهاب. روسيا التي كان يعتبر موقفها من محاربة الإرهاب مجرد ذريعة لحماية النظام السوري، أصبحت شريكا حقيقيا ومؤكدا، ولديها معركة تصفية حساب فعلية مع “داعش”، بعد التأكد أن الطائرة الروسية سقطت فوق سيناء بفعل قنبلة مدسوسة في الأمتعة. وتفجيرات باريس أحدثت النقلة النوعية، وأعادت ترتيب المشهد بصورة كاملة. فرنسا لن تجعل الخلاف حول مستقبل الرئيس الأسد عائقا أمام التعاون مع روسيا، ليصبح الطرفان قوّة ضاربة رئيسة في الحرب على “داعش”. لن تبقى الولايات المتحدة هي الطرف الرئيس والمحرك الوحيد للتحالف، ومن يقرر إيقاع الحرب؛ فقد ظهر شركاء لديهم قضية مباشرة وحاسمة، سيكونون في غرفة العمليات بقوة مكافئة في التخطيط، وفي القرار الذي سينتقل إلى مستوى جديد لتحقيق أثر ملموس في الأسابيع القادمة، وكحد أقصى في الأشهر وليس السنوات المقبلة. وسيكون التوصل إلى صيغة للحلّ السياسي في سورية، وتموضع مختلف الأطراف المحلية والإقليمية في هذا السياق، شرطا ضروريا للتفرغ للحرب على “داعش”. والمعادلات معقدة، لكن الوضوح في ترتيب الأولويات سيساعد على التسويات، وجزء منها موضع إيران وحزب الله. وكان قد ظهر مسؤول أميركي يقول إن روسيا هي التهديد الأول للولايات المتحدة، لكن بعد عملية باريس لن يجرؤ أحد أن يعيد هذا الكلام؛ فمواجهة “داعش” والإرهاب هي أولوية مطلقة، وما عداها تناقضات ثانوية لها وقتها. ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك في عيون الرأي العام في الغرب؛ فهذا المحور يمثل مشكلة للغرب، لكنه لا يمثل تهديدا لحياة المواطنين، ولا يرسل انتحاريين لتفجير المرافق العامة في العواصم الأوروبية، وقضيته هي صراع مصالح ونفوذ محلي وإقليمي من النوع الذي وجد وسيبقى موجودا. وقد يمثل تحديا خطيرا في بعض الأحيان، لكنه يبقى من طبيعة تختلف كليا عن التهديد الذي يمثله الإرهاب الذي أصبحت له قاعدة أقوى وأوسع من قاعدة أسامة بن لادن، ويعطي مثالا للشراسة والوحشية تقتدي به وتبايعه قوى التطرف والإرهاب في العديد من البلدان، إضافة إلى عدد غير محصور من الأفراد هم بمثابة قنابل بشرية متحركة، قابلة للتفجير في أي مكان وزمان. هي بالفعل حرب عالمية، لكن من طبيعة مختلفة عن الحروب التقليدية. ويدور جزء منها فقط في الميدان الجغرافي العسكري المحدد؛ وحتى هذا محدود باعتبارات لا تسمح بتوجيه جيوش برية للميدان، والباقي يدورعلى المستوى الأمني والاستخباراتي والسياسي العابر للقارات. والهدف بالطبع واضح ومحدد، وهو القضاء على التنظيمات الإرهابية، وفي القلب منها دولة “داعش”. لكن لا يمكن المضي إلى النهاية من دون رؤية سياسية للمستقبل في هذا المشرق المنكوب ليس فقط بتفتت الدول والحروب الأهلية والطائفية، بل أيضا بالاحتلال الإسرائيلي؛ منبع الشرور التاريخي. وهنا، فإن الدور العربي المحدود عسكريا في هذه الحرب، يصبح محوريا وحاسما سياسيا. فالفشل كان عندنا، وتفريخ الإرهاب وعقليته المنحرفة ظهر من عندنا، ومن عندنا يجب استئصال جذوره وتطهير التربة التي أنبتته، واستعادة مشروع الدولة الوطنية بروح عصرية وديمقراطية. جميل النمري – الغد