” الحسن ” النهضة العربيّة المتجدّدة: تأييد للحق ونصرة للعدل

2015 06 14
2015 06 14

تنزيل (1)كتب سمو الامير الحسن بن طلال مقالا بعنوان “النهضة العربيّة المتجدّدة: تأييد للحق ونصرة للعدل” تاليا نصه:

في محاولة استيعاب روح العصر وتحدّياته، ندرك ما لدينا من ميراث حضاري وتراث سياسي ونهضة عربيّة تأسّست في القرن الماضي على مبادئ القومية والحرية والوحدة والاستقلال والمساواة والتقدم. كما تجلّت النظرة البعيدة نحو المستقبل في هذه النهضة المباركة وهي تشقّ طريق العمل من أجل الحرية والهوية القومية. فكانت هذه مطالب أمّة حملها جدّي الشريف الحسين بن علي– طيّب الله ثراه؛ وهو يرنو مع أبنائها إلى مستقبل مشرق لأمتنا العربية قائلاً: “إن نهضتنا إنما قامت لتأييد الحق ونصرة العدل، وإعزاز كتاب الله وإحياء سنّة رسوله”. (الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى”، سليمان موسى، 1992، ص 131).

وبعد مرور ما يقارب المئة عام على هذه الدعوة، ما زلنا نستذكر بكل اعتزاز المنطلقين الأساسيّين للثورة العربية الكبرى: حفظ كرامة العروبة والتمسك بقيَم الإسلام النبيلة السامية. (الاتجاهات الفكرية للثورة العربية الكبرى من خلال جريدة القبلة، د. سهيلة الريماوي، 1992، ص 22)

لقد تصدّت هذه الثورة لمظاهر استغلال الدين الحنيف كافة؛ مؤكدة، في الآن نفسه، أن الإسلام والتقدم صنوان لا يفترقان. كما طالبت بتطبيق نظام الشورى كوسيلة من أهم وسائل الإصلاح الاجتماعي والسياسي. وأولَت البعد الحضاري الإنساني للمنطقة العربية بأكملها والتمسك بالتراث والأصالة الحضارية في مواجهة الأخطار المحيقة بالأمة جُلّ اهتمامها وعنايتها.

وكان من أبناء الأمّة التوّاقين إلى الحرية والتغيير سليمان البستاني، الذي كان يتطلع إلى مستقبل يتحقق فيه الإصلاح المنشود ويتم فيه تفكيك الاستبداد كما بيّن في كتابه “ذكرى وعبرة أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده”، 1908. وهنا أقول: لا يعدّ التاريخ سيرورة سرديّة، إنما هو ذكرى وعبرة تحفز الخيال على التفكير في الممكن من دون قيود أو حدود.

إنّ التمسك باستقلالنا الثقافي يعيد تجديد العقل العربي المنفتح على الآخر؛ انطلاقًا من خصوصيته التي تحترم التنوّع بأشكاله والتعددية الثقافية التي تقودُنا إلى الحديث عن مفهوم العيش المشترك. ولا ننسى أن الحضارات العظيمة تفسح المجال للتنوّع وتتخذ من “التسامح للجميع” شعارًا. كذلك كانت الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها تتسع لديانات وثقافات متباينة وتضمّ أفرادًا ينتمون لأعراق وأمم مختلفة. فكان التنوّع من مكامن القوة والاختلاف أحد السنَن الكونيّة التي قام على أساسها الوجود. وحينما تعجز العقول عن تفسير طبيعة الاختلاف، وتأْبى القلوب تقبّل الآخر واستيعاب نظرته في الحياة، ويتفشّى التعصّب للطائفة أو العقيدة سرعان ما تنشأ الحواجز ويزداد التباعد بين شرائح المجتمع الواحد، وتختلّ التوازنات الطبيعية لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

إن أخطار الحروب ودعوات التقسيم والخطاب الطائفي وشرور الفرقة والتشرذم لا تنبئ إلا بالمزيد من المعاناة الإنسانيّة والانتهاك السافر لحقوق الإنسان، الذي كرّمه الله تعالى واستخلفه في الأرض. ومن المفارقات التي يعاني منها واقعنا العربي والإسلامي الفجوة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن.

إن الإرادة العربية الحرة المسؤولة لا تنفصل عن تغليب العقل والحكمة. كما تنسجم مع القيَم الإنسانية المشتركة التي يؤدي التمسك بها إلى تحقيق الأمن للجميع. إن البحث في هذه القيم المشتركة يسهم في كشف الوجه الحقيقي للتطرف. وفي إطار هذا المسعى، نحن بحاجة إلى التركيز على المشتركات العالمية والإقليمية، وتفعيل دور المؤسسات الإقليمية والعربيّة، التي تحمل أولوياتنا وتحدّد معالمها بصورة مستقلة. ولا ريب في أن مستقبل العمل العربي يكمن في فضاء يدعم التعاون والتكامل بين دول الإقليم وشعوبه. فما نعانيه اليوم من أعراض الوهن على الصعيد الحضاري يؤكد الحاجة إلى التجدّد في مختلف الميادين وتعزيز ثقافة العمل والمشاركة والإبداع والإنجاز.

وإذ نحتفي بعد أيام قليلة بقدوم شهر رمضان الفضيل، فإنني أزجي التهنئة بهذه المناسبة المباركة إلى أهلي وأبناء وطني والأمتين العربية والإسلامية؛ سائلاً المولى العلي القدير أن يعيده علينا وقد حلّ السلام والأمن والاستقرار في ربوع وطننا العربي الكبير كافة، ورُفعت أشكال المعاناة والانتهاكات الصارخة لكرامة الإنسان عن المقتلعين والمهجرين واللاجئين من أبنائه؛ إخوتنا في الإنسانية.

لقد أراد الله تعالى لشهر رمضان المبارك أن يكون شهر عبادة وتربية وتوجيه وتوثيق للصلات بين المسلمين؛ نقف عند عظاته وعبره، ونستفيد من معانيه ودروسه. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أذكّر بأهمية تأسيس صندوق عالمي للزكاة والتكافل. فمنذ أن أطلقت هذه الدعوة قبل ثلاثة عقود ونيّف، لم أتوقف يومًا عن التذكير بها وبأهمية الاستفادة من نظام الزكاة في سبيل تحقيق الأهداف التنموية للبلدان الإسلامية الأقل نموًا، وضمان الحياة الكريمة للأفراد في المجتمعات الإسلامية، وتعزيز قيَم الغيرية والسلطة الأخلاقية والكرامة الإنسانية.

لا تزال الصورة الحقيقية السمحة للدين الإسلامي تتعرض إلى أقسى أشكال التشويه من قبل أولئك الذين يمارسون الإرهاب والعدوان والتطرف باسم الدين. إن التركيز من خلال الزكاة على القيم الإنسانية مثل الرحمة والإحسان إلى المحتاج وابن السبيل وتفويض الإنسان من حيث هو إنسان، وتعزيز التكافل الاجتماعي سيُسهم في إشاعة رسالة الإسلام الحقة المبنية على العدل والسلام، وينأى بها عن مسميات الإرهاب والرُّهاب.