الخنفساء والمسكون

2016 09 18
2016 09 18

14371924_515200458675815_2135959644_nيقضي صباحاته بانشغال سخيف يعد فيه اوراق الريحان في الأحواض المصفوفة على اطراف الحديقة يتفقدها من زجاج نافذة المطبخ في كل صباح ويمضي بقية اليوم من انشغال الى انشغال أسخف ويتأمل النرجس كثيرا في مدخل الحديقة. في ذات يوم يجد الغبار على الزجاج متراكما متناثرا وكأن عاصفة أحلت بالجوار أثناء الليل،فيجلس مكتئبا على الأريكة من ضعف تفكيره كيف سيزيل الغبار، من شدة حزنه على مصير اوراق الريحان وبصيلات النرجس، يا لعجزه المفرط فلديه الآن حاجزان.

عام مضى و لم يعد يعرف ما يوجد خارج زجاج النافذة المغبرة ولم تتناوله الكتابة او الكلام فلقد توقفت الاوراق عن امتصاص الحبر الجاف وماتت في ذاكرته جميع الصوربعد أن مسحها الغبار، صور الساذجين وهم يهتفون لعظماء المجازر ولوجهاء المنافقين وصور المتطرفين يتلاحقون بالسكاكين خلف عجل طيب المذاق دون تعب ودون انتهاء النهار، كان يحسبهم أصدقاء يتلاعبون ويمرحون، مضى عام على اعتزال الغبي مراقبة الحياة، لم ينتظر زيارة مار فأقفال الباب مفقودة داخل المنزل ومع الوقت تجانس جسده مع الأشياء ليصبحو جميعا بنفس اللون ونفس اللاحياة.

أجمعوا بأن دماغ ذلك النرجسي او الهمجي او الغجري مسكونة، فلقد مضى عام آخر ولم يعرف كيف سيزيل الغبار وربما تسلل بعض الغبار الى دماغه ليخمد الخلايا التي ستنهض وتسمى الذكية، ممل حين يغفو على نفس الأريكة ويصحو مبتسما وكأنه لم يضع شيئا وكأن عالمه هو الأفضل فهو خال من الفضول وما يقلقه شي غير النرجس والريحان كأنه في جوف حوت منعزل بلا فضاء وبلا أفق وبلا ذاكرة وبلا أسئلة.

مر عام ثالث وهو جالس على الاريكة وكأنه جهاز حاسوب معطل يشغل حيزا بين الأثاث المتجانس بلا فروق وبلا ثورة وإذا بخنفسة سمينة تتجول امامه ببطء وتصعد الى الزجاج المغبر وتخطو عليه فيعلق الغبار على ارجلها المقززة وهو يترقبها، كعادته يجيد الترقب، وفجأة ابتسم ونهض عن الاريكة واخذ قميصا قديما من الدولاب وبدأ يمسح الغبار عن الزجاج بشغف وكأنه وجد كنزا في جزر عميقة وأثناء ذلك سقطت من جيب القميص مفاتيح الأقفال على الارض.

نور العزام