الخيانة ليست وجهة نظر – ناهض حتر

2013 09 04
2013 09 04

1007 الخيانة الوطنية جريمة موصوفة، تتضمن مروحة من التعاملات مع العدو. وأشهر أشكال الخيانة وأبسطها التجسس والتعاون الأمني والخدمة في جيش أو جهاز معاد. وهي، غالباً، جريمة فردية. وهناك، بالطبع، الجريمة الجماعية للميليشيات المتعاونة مع الغزاة، لكن أفظع جرائم الخيانة هي التي يقوم بها المثقفون، فهي تفسد الضمير الجمعي.

عند التحقق من وقوع جريمة الخيانة، فإن العقوبة المتعارف عليها، في حالة الحرب، هي الإعدام، وفي حالة السلم، غالباً ما تصدر أحكام القضاء على الخونة، بالمؤبد. وفي بلد جان جاك روسّو، فرنسا، قررت المقاومة ضد الغزاة النازيين، تصفية عملائهم. وأعدمت الكثيرين، واستمرت قائمة، بعد الحرب، خلايا للمقاومة هدفها الوحيد تعقّب الخونة وقتلهم. وفي روايتها الضخمة الفاتنة، «المثقفون»، نقلت سيمون دو بوفوار، أجواء النقاشات المحمومة الخصبة للمثقفين الفرنسيين، حول قضية الخيانة والعقاب؛ الصفح ـــ بعد النصر ـــ أو تنفيذ حكم الأمة بمَن خانوها. ولا تمسّ تلك النقاشات بالإدانة المطلقة للخيانة، وإنما بأشكال السلوك الممكن مع مرتكبي هذه الجريمة، ولكن من دون التسامح مع أي لمحة تجرح المقاومة بوصفها روح المثقفيّة. وهذا هو الحال بالنسبة للأمم، ما عدا أمتنا التي تحوّلت فيها الخيانة إلى وجهة نظر، علينا أن «نحترمها» ونناقشها بعبارات مهذبة!

نبذ الخيانة كجريمة، وكعار يلحق بمرتكبيها، ومعاقبة الخونة عقاباً يساوي فظاعة هذه الجريمة، ليس كل ذلك خيارا، وإنما ضرورة وجود للأمة. والأمة التي تفسح في المجال لخونتها، حواراً أو تسامحاً، كالأمة العربية، يغدو وجودها القومي، مهدداً.

كان هنالك خونة أفراد دائماً، خصوصاً في صفوف الفئات الحاكمة والمسيطرة في العالم العربي، وكان هذا الضرب من الخيانة موضع إدانة أصلية تعجب من فعل الخيانة، حتى أن بدر السيّاب، كان يندهش: «إنّي لأعجَبُ كيف يمكن أن يخون الخائنونْ؟».

كان ذلك في لحظة صعود حركة التحرر الوطني، قبل أن تبدأ الخيانة، كنهج وسياسة، في أول حركة شعبية، مع أحزاب اليمين المسيحي اللبناني، في تعاملها السياسي والأمني والعسكري، مع العدوّ الإسرائيلي، كحليف ضد الآخر اللبناني من طائفة أخرى أو تيار سياسي آخر. أساس ذلك، تنظيرة انفصال الطائفة في أمة خاصة؛ ففي هذه اللحظة، تكون مصالح هذه الطائفة / الأمة، هي موضع الولاء، في مواجهة الطوائف/ الأمم الأخرى.

قبل «الكتائب» و«القوات اللبنانية»، ذهبت الأحزاب القومية الكردية العراقية، منطلقة من كونها تمثل أمة اتنية منفصلة عن الوطن العراقي، إلى هذا النوع من الخيانة المنهجية في السياسة والممارسة، وما لبثت أن تبعتها أحزاب الإسلام السياسي الشيعي ـــ لكن يردفها، هذه المرة، «مثقفون» ليبراليون و«يساريون» معروفون ـــ وانتقلت من التعاون مع أعداء الوطن إلى دعوتهم لغزوه واحتلاله وتفكيك دولته وجيشه، وتقديم المسوّغات والغطاء السياسي للمحتلين، باسم اسقاط الدكتاتورية، لكن، فعلياً، باسم الطائفة / الأمة.

لكن، منذ تهليل الخونة للغازي غورو، مروراً باليمين المسيحي اللبناني وليس انتهاء بالإسلام السياسي الشيعي العراقي، لم يشهد تاريخ العرب الحديث، هذا المستوى من الانحطاط في تحوّل المعارضين إلى طابور خامس، يعمل للعدو، ويستجلب الغزاة، كما هو حاصل في سوريا اليوم، ولا يهمني، هنا، الخونة التاريخيين من إخونجية وتكفيرية وفصائل الإسلام السياسي؛ فهذه تكرر منطلق أولوية الطائفة / الأمة على الوطن ودولته وجيشه، وإنما يبهظني انتشار ايديولوجيا الحنين إلى الاستعمار، وتردي الروح الوطنية لدى قسم كبير من النخبة السورية «المعارضة»؛ أفلا يدعونا إلى التفكير العميق، أن يتحوّل «مثقف» مثل ميشيل كيلو ـــ وهو مجرد مثال ـــ إلى ترجّي الغزاة الأميركيين أن يحضروا لنصرته ضد الدكتاتورية، بعد أن خابت آماله بغزاة «جبهة النصرة»، ثم لا يَصمُه أحد، بوضوح، بالخيانة؟

الأسوأ من خونة ائتلاف الجربا، تلك الخديعة المسماة «هيئة التنسيق» ـــ المعترَف بها «معارضةً وطنية»! فهذه تخاتل ـــ كالإخوان المسلمين الذين رفضوا الضربة الأوبامية لأنهم يفضلون منطقة حظر طيران، أي غزواً كاملاً. ترفض «الهيئة» العدوان، شكلياً، ولكنها تنطلق، من إدانة النظام السوري المسبقة باستخدام السلاح الكيماوي، فتصطفّ، فعلياً، مع الغزاة، وتقدم لهم المسوّغ اللازم للعدوان على البلد. من جهته، كان رئيس «الهيئة»، حسن عبد العظيم، أكثر اسفافاً في المخاتلة، حين رفض العدوان ولكنه دعا، في الوقت نفسه، إلى وقف عمليات الجيش العربي السوري، ووقف تزويده بالسلاح واخراج حزب الله من سوريا، أي، في الواقع، تقديم البلاد على طبق من فضة للغزاة، إرهابيين وأميركيين وإسرائيليين!