الربيع العربي وخطرة على القضية الفلسطينية – يوسف المرافي

2013 10 10
2013 10 10

34ما أن بدأت شرارة الربيع العربي في تونس حتى بدأت معه الآماني والأمنيات العربية في أن يكون ذلك الربيع محملا بعبق الأزهار، ورائحة النرجس والياسمين ،وزهو الأقحوان إلا أن شيئا من ذلك لم يحصل .

فهذا الربيع الذي اعتقدنا بأنه محمل بالطموحات والأماني بدا غير ذلك ، فقد جلب معه القتل والدمار والمآسي والويلات للشعوب العربية التي طبلت وزمرت له،باعتباره فرجها الوحيد الذي سوف يخلصها من أنظمتها العربية الفاسدة التي أشبعت تلك الشعوب ظلما وفسادا.

ففي بداية ذلك الربيع استبشرنا خيرابقدومه،معتبرينه حدثا طبيعيا لمجمل تغيرات سوف تطال المنطقةالعربية،وكنا في بداية الأمر نعتقد جازمين أن هذا الربيع هو محصلة طبيعية للفساد والظلم الذي تعرضت له الشعوب العربية قاطبة من أنظمتها الفاسدةالتي كانت تكيل بمكيالين:مكيال الظلم ومكيال السلطة.

فالربيع العربي أحدث حالة من الفوضى والدمار عند تلك البلدان التي غزاها ؛ فقد أثقل كاهل تلك الشعوب التي تنادي بالحرية ومحاربة الفساد والظلم ، فبدا لنا الربيع غير ذلك لا بل أصبح كابوسا تتقعقع الشعوب العربية منه غير مرحب به ؛ فهو ربيع القتل والدمار والبطش والاستعلاء على الحق،ونصرة الظالم على حساب المواطن الذي أشبع ظلما وبؤسا من تلك الأنظمة،وجاء الربيع العربي ليزيده بما فيه من ظلم أضعاف وأضعاف.

إن الربيع العربي الذي بدأ بتونس ومصر وليبيا واليمن ، وانتهاء بسوريا ، قد عزز سياسة الظلم والاستبداد والتشريد ؛ فالأنظمة العربية فهمت الربيع العربي على أنه الاعتداء على أنظمتها الديكتاتورية قد أخطأت في فهمها لهذا التصور، وكذلك الشعوب العربية أساءت في فهمها وتصورها للربيع العربي ؛ فقد أدركت أنه السطوة والتمرد على تلك الأنظمة غير عابهين ؛لما ستقوم به تلك الأنظمة للرد على هذا التغير الطبيعي ،إلا أنه فيما بعد أصبح تغيرا غير طبيعي ؛ فالشعوب العربية غير مستعدة لفهم واقع التغير السياسي الذي يحدث في الوطن العربي، وكذلك الأنظمة التي لم تعتد على سياسة من هذا النوع المفاجئ لها ولأنظمتها.

والقضية الفلسطينية ليست بمنأى عن الربيع العربي، فقد دخلت تلك القضية العادلة في سبات عميق ،نتيجة لما أحدثه ذلك الربيع من عقبات خطيرة ليس على الواقع العربي فحسب،إنما تعداه للقضية الفلسطينية العادلة التي أصبحت للأسف في وقتنا الحالي في مهب الريح.

فالعرب كما تعلمون .أحبتي قدموا تنازلات ليست بالبسيطة مقارنة بالتعنت الإسرائيلي ، لاسيما مبادرة السلام العربية التي نصت على التطبيع الكامل مع إسرائيل، وعلاقات طبيعية ،سياسية ،وتجارية ،واقتصادية، وحتى سياحية مقابل عودة الأراضي العربية المحتلة، لكن للأسف كما تعلمون لم تلق تلك الاتفاقية رواجا عند أصحاب القرار في تل أبيب لا بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك  ؛ فقد انقلبوا على تلك المبادرة ،وضربوا بمقرراتها بعرض الحائط ، وردوا عليها من خلال مهاجمة قطاع غزة وجنوب لبنان .

إن أمتنا العربية لم تكن بمعزل عن تبعات وتوابع الربيع العربي ؛ فالفشل الذريع للدبلوماسية العربية المتكرر ابتداء بحرب الخليج،وانتهاء بثورات الربيع العربي أصبح هو العنوان الأبرز حاليا في السياسة الدولية للأسف الشديد.

كماأن الثورات العربية التي بدأت بتونس وانتهت بسوريا تشكل في نظر المحللين السياسيين حدثا تاريخيا، يستدعي منا الوقوف والتبصر؛ لما تحمله هذه الثورات من نتائج سلبية سوف تنعكس تبعاتها على الشعوب العربية ،وأنظمتها لسنوات وسنوات هذا ربما من الناحية السياسية ،أما الناحية الاقتصادية -فحدث ولاحرج -فقد عادت تلك الدول التي غزاها ذلك الربيع القبيح إلى سابق عهدها قبل الازدهار والنمو ناهيك عن ديون مشبعة سوف تتوارثها تلك الدول جيلا عن جيل، وتحتاج لمليارات نعجز عن ذكرها ،ولولا ذلك الربيع وما خلفه من دمار وخراب للبنية التحتية لتلك الدول لاستعملت تلك المليارات في العيش الرغيد ،ومعالجة البطالة،وربما أصبحت تلك الدول من العالم الثاني ،ولكانت تلك المليارات تنفق على تلك الشعوب بدلا من إنفاقها على القتل والتشريد والتدمير.

بيداأنني لم أشعر بالحزن الشديد من قبل،وتأنيب الضمير الإنساني ،وإن كان ذلك خارجا عن إرادتي ،إلا عندما كنت في غرفة الصف،وكنت حينها أدرس مادة التاريخ الإسلامي،وبالتحديد درس الفتوحات الإسلامية إبان سيدنا عمربن الخطاب ،وعثمان بن عفان _رضي الله عنهما_فقد بدت الدولة الإسلامية في تلك الفترة من زمن الفتوحات دولة عظيمة تخشاها جميع الدول في ذلك القرن،فالجيش الإسلامي استطاع في ذلك الوقت من تحقيق أعظم الانتصارات على الإمبراطورية البيزنطية والرومانية والفرس.

وعندما كنت في تلك الفترة منغمسا ومتغزلا في تلك الانتصارات التي حققتها الدولة الإسلامية في ذلك العصر،إذ أحد الطلبة يسألني سؤالا مباشرا،ويقول:هل بقيت الدولةالإسلامية التي تتحدث عنها حتى زمننا الحالي من ناحية القوة والعظمى كما كانت في السابق ؟؟ فكان السؤال كالصاعقة التي وقعت على رأسي،فلم أعرف حينها ذلك السؤال،أقصد ذلك الطالب الإستهتار ؟ أما قصد حقيقة أخرى مغيبة عنا جميعا ؟ فتجاهلته في المرة الأولى، وفي مخيلتي الم شديد،وحزن عميق،وخوف من إعادة السؤال مرة أخرى،وما قد كنت أخشاه حصل مرة أخرى ، فقام وأعاد الكرة مرة أخرى متسائلا عن مصير تلك الدولة القوية،وإلى أين آل بها المطاف ،وربما في المرة الثانية لاحظ علامات الدهشةعلى وجنتي ،فأجبته في المرة الثانية والدموع تنهمر من عيني محاولا إخفائها أمام الطلبة حتى لا يشعروا بضعف معلمهم ،وما سبب بكائه؛ فقد تناولت منديلا أبيضا متظاهرابإصابتي بالزكام والرشح لإخفاء ما ظهر علي من حيرة وحزن وبكاء،ولا أعرف حينها، هل انطوت عليهم تلك الحيلة أم لا؟؟

إلا أنني سألت الطالب نفسه وبصريح العبارة من غير توضيح ولا مقدمات،من هي الدولةالعظمى الآن في العالم ؟، فقال لي بكل ثقة :الولايات المتحدة الأمريكية يا معلم،فصارعت بالإجابة،وقلت:وكذلك الدولة الإسلامية زمن عمر وعثمان بن عفان كانت،كالولايات المتحدة الأمريكية في القوة والنفوذ والسطوة ، واكتفيت بهذه الجملة متوسلاوخائفا من إعادة ذلك السؤال،وبعدها أكملت حديثي،وبقي ذلك السؤال في ذاكرتي يختزلني كلما قرأت موضوعا أو فقرة عن الربيع العربي،وكيف ألت تلك الدول من ضعف .

ومجمل القول أحبتي :إن الربيع العربي له أثر سلبي على القضية الفلسطينية؛ فزيادة على أنه ساهم في إرهاق الشعوب العربية وتحميلها من الولايات والمآسي،ما لا تطيقه أمة من الأمم،  وجعلها شعوبا وأنظمة مترهلة وضعيفة ،عمل كذلك على انشغال تلك الشعوب وأنظمتها بنفسها ،جاعلين من القضية الفلسطينية هاجسا وأمنية وأملا صعب المنال ،فقد أصبحت الشعوب العربية غير قادرة على حل تلك التغيرات التي حدثت في الوطن العربي بنفسها بل عجزت كل العجز،فكيف لها ان تقوم بدور صعب تحقيقه زمن التنازلات والمبادرات ؟؟!!لاسيما المبادرة التي تكلمت عنها ،وقبل مجيء الربيع العربي، فكيف تستطيع ان تحققه وهي الآن تسجدي الغرب ليلا ونهارا لحل مشاكلها الداخلية،وتخليصها من أنظمة الفاسدة التي كانت سببا في اندلاع ذلك الربيع الجاف وللحديث بقية….