السياسة بين الهواة والمحترفين
د باسم الطويسي

2013 03 02
2013 03 02

بعد أيام من المشاورات النيابية لاختيار شخص رئيس الوزراء للحكومة الجديدة، تبدو المحصلة لا تكاد تذكر. فالجميع دار الدورة بأكملها، ثم عاد إلى النقطة الأولى. إذ على الرغم من الفرصة السياسية الثمينة التي تتاح لأول مرة أمام مجلس النواب، كان الأداء النيابي متواضعا في بناء الكتل والتحالفات، وفي تشكيل المواقف السياسية، وغاب عنه الحد الأدنى من الاحتراف السياسي.

يحدث ذلك في الديمقراطيات الوليدة، ويمكن تبريره في التجربة الأولى على الطريقة الأردنية. لكن في المحصلة، يبدو التمرين الديمقراطي بدون نتائج ملموسة تعود بنتائج إصلاحية جوهرية. فقد قدمت المشاورات اختراقا جوهريا في شكل اختيار رئيس الوزراء، ولكن لم ينل هذا الاختراق المضمون، أي الطبقة السياسية التقليدية؛ فقد بقيت الأسماء المطروحة ضمن النادي السياسي التقليدي، الأمر الذي يتوقع أن ينسحب على أعضاء الحكومة وتشكيلتها أيضا، ما يطرح أسئلة أساسية عن مدى استقلالية هذه الخيارات، وما الجديد فيها، ومدى خروجها عن  الصيغ التقليدية. وحتى في حدود هذه الخيارات المحصورة سلفا، لم توفق الكتل النيابية في تأطير مواقف سياسية قابلة للحياة والاستمرار، ولاحظنا حجم التبدل والتغير، وطبيعة الاصطفافات الهشة.

التجربة الحالية كان من الممكن أن تشكل فرصة للجميع؛ أولا للدولة، بوضع حجر الأساس لاستعادة الناس، وإعادة بناء الثقة بين الدولة وبين المجتمع. وثانيا للقوى الإصلاحية، باعتبار هذه التجربة مكسبا إصلاحيا يمكن البناء عليه. وثالثا للبرلمان نفسه، وهو في أمس الحاجة إلى هذه الفرصة بعد أن تآكلت شعبيته، ووصلت إلى مصادر الشرعية البرلمانية والقدرة على التمثيل، نتيجة إرث المجالس السابقة.

لا نريد للفرصة الراهنة على طريق التحول إلى الحكومات البرلمانية، أن تصبح مجرد إعادة إنتاج لعمليات التصنيع السياسي التي لا علاقة للمجتمع وللعمليات الديمقراطية بها إلا بالشكل. فعلى مدى سنوات مضت، كانت الأزمة الاقتصادية تعصف في عمق المجتمع، بتفكيك هياكل الدولة وبيعها، وبإعادة تصنيع مجتمع نخبة جديد لا علاقة للبلاد بمعظم أعضائه إلا بالنهب والفساد، بينما كانت عمليات التصنيع السياسي تعصف بالبنى الاجتماعية وتفرغها من مضامينها السياسية الحقيقية، على مستوى القيادات والأفراد والمجتمعات المحلية؛ مرة على شكل عمليات تهشيم سياسي للبنى الاجتماعية وإعادة تصنيع طبقي واقتصادي، ومرة على شكل حملات تسويق سياسي تلعب بأعصاب الناس وعواطفهم.

كل هذه التحولات القاسية لم تفرغ المجتمع من النخب السياسية، بل أفرغت المسرح السياسي من التجديد. ونلمس النتائج اليوم؛ فكأن البلاد تعاني من ندرة الكفاءات والقادة السياسيين من جهة، وكأن ما يفرزه المجتمع من جهة أخرى مجرد نخب نيئة، تحتاج زمنا طويلا حتى تنضج، وتصعد في سلم الاحتراف السياسي.

إنشاء الديمقراطيات يحتاج إلى حد معقول من الاحتراف السياسي. وقد انحاز المجلس النيابي للطبقة السياسية التقليدية في المواجهة الأولى لاختيار رئيس المجلس والمكتب الدائم، ولكن بحد من التوافق وبأقل خسائر. وعلى الرغم من أهمية الانطباع الأول في تشكيل مواقف الرأي العام، إلا أن فرصة المشاورات على طريق الحكومة البرلمانية منحت المجلس فرصة جديدة وثمينة، يبدو أنها على أبواب الضياع؛ إما بالتشرذم وعدم القدرة على الوصول إلى التوافق، وإما برد هذا الحق الدستوري إلى صاحبه، والعودة إلى الملك كما تدعو مجموعة من النواب. والأخطر من ذلك أن نصل إلى توافق مصنّع ومفصّل، لمجرد أن نخرج من هذا المأزق. basim.tweissi@alghad.jo الغد