السياسي ودوره في العنف الاجتماعي

2015 10 19
2015 10 19

omar_kallabيقفز معظم المتحدثين او المناقشين لظاهرة التحول الاجتماعي او التراجع القِيمي في المجتمع الاردني عن مُدخل السياسي في هذا التحول او التراجع , وعن الدور الرئيس الذي قام به السياسي في ازدياد ظاهرة العنف والغضب وانحدار منسوب الثقة وتراجع دور قواعد السلم الأهلي من حُسن جيرة ومن مفاهيم التواصل البَيني والترابط الاسري , وانحدار منسوب ثقافة الاختلاف والتوّسع الافقي والعمودي في ظاهرة رفض الاخر او تسفيه رأيه وازدياد ظاهرة التطرف بأنواعه الديني والليبرالي واليساري وارتفاع سرعة الغضب.

الاردنيون ألفوا فكرة الشخصية الكاريزماتية او البطل الوطني والشعبي عبر مُدخلي نزاهة اليد والاقتراب منهم حد التلاصق او التجاور وعلى مستوى اقل حمله الفكر المناوئ للعدو الصهيوني والتدخل الغربي في الشؤون العربية والداخلية بحكم ان الشارع الاردني قومي بالفطرة والتكوين , ولكن ظلَت نزاهة اليد قيمة عليا عند الاردنيين ونزاهة اليد تعني ايضا عدم التورط في الواسطة والمحسوبية والتعامل مع الناس بعدالة دون تفريق على اسس ديمغرافية او جغرافية , وشهدت الحقبة الاخيرة تراجعا في معظم القيم السياسية ونماذجها الفردية وهذا انعكس على مزاج الاردنيين وعلاقتهم مع النخبة السياسية بتفاصيلها الرسمية او التي خارج الخدمة .

مؤخرا كتب الاستاذ طاهر المصري السياسي الاكثر قبولا لدى الاردنيين على اختلاف تلاوينهم حول الظاهرة وتداعياتها وانعكساتها على البنية الوطنية بمجملها ولكنه للاسف – واقول للاسف – بحكم قيمته وموثوقيته في المجتمع قفز عن هذا المفصل المهم والرئيس في فهم الظاهرة , وقراءتها من اجل المعالجة وهو احد القلائل القادرين على الولوج في تفاصيلها ونقدها , فالسياسي الاردني تورط في التفريط بمنظومة النزاهة وتورط اكثر في انحسار تمثيله الواسع الى حجم التمثيل المحافظاتي على اوسع تقدير ان لم يكن “مناطقي او حاراتي او قَبلي” .

فشاهد المواطن ثقافة جديدة ودخيلة على مجتمعه فتعامل معها بردة فعل غاضبة وتعاطى معها للاسف بإنتهازية انعكست على سلوكه السياسي اولا بإنحيازه الى نواب الحارة او الخدمة ثم تفاقمت الظاهرة الى استشراء ظاهرة المال الاسود وبيع الصوت لأن مخرج العملية الانتخابية بمجمله بات محسوما لصالح الطبقة السياسية الجديدة والطارئة وليس لمصلحة القطاع الشعبي الاوسع وهذا السياق مع سياقات ثانية مثل تراجع دور الدولة الاجتماعي واحساس الاردني بعدم الامان الاقتصادي والجرأة على الخصخصة وتدليل المستثمر على حساب المواطن وتنامي ظاهرة التوريث المناصبي والاقطاع السياسي كله افرز الغضب على الذات الوطنية ومنها .

المسألة الثانية التي لم يلامسها المصري وكثيرون غيره وقبله , ظاهرة التغير العُمري في تركيبة المجتمع الاردني وظهور الشباب كقوة سكانية طاغية وفرض تلك القوة البشرية لايقاعها وسلوكها على مجتمع اقرب الى المحافظة منه الى قبول الجديد , والمشكلة ان هذا الجيل استيقظ على غفلة من الجيل السابق دون تحضير او استعداد , مستخدما ادوات العصر الجديد دون ركائز مجتمعية وتأهيل علمي , فقد غافلتنا التكنولوجيا بتسارعها وشاهدناها تمر دون اشارة تنظيم مرور واحدة , فنحن نأنس حد اللحظة الى الثقافة غير المكتوبة او الشفاهية , فكتب السياسة على اضيق نطاق والسياسيون لا يكتبون سيرتهم وتجربتهم , فوقع الجيل الجديد امام ظاهرة التصحر الفكري والتجريف الثقافي منفردا , فأنتج ما انتج بجهود مُلتبسة وغامضة وفيها من الاغتراب وادواته اكثر ما فيها من البنية الاجتماعية القائمة .

توصيف الظاهرة او الاكتفاء برسم حدودها وترسيم انعكاساتها لا يكفي , وعلينا الدخول الى تحليل الظاهرة وفهمها لاجتراح الحلول الطويلة والقصيرة , فنحن امام جيل جديد يمتلك ادوات تعينه على السير بسرعة الانترنت وما زلنا نحاول اللحاق به على راحلة تقدمت في السن واذا لم نتغير نحن لن يتغيروا هم وسيصبح نقدنا لهم مجرد تمرين وهمي لسباق خيول داخل الاسطبل لا في المضمار .

عمر كلاب – الدستور

omarkallab@yahoo.com