العشائر الأردنية الرقم الصعب
طلال خطاطبة

2012 12 24
2012 12 24

لقد شكلت العشائر الاردنية على الدوام العنصر المكمل للدولة الاردنية و لكنها لم تكن بوما بديلا عنه.  فقد وعيت العشائر  دورها و لم تقفز عليه يوما. لهذا كانت دوما محط اهتمام الدولة. و قد ناقشتُ في مقال سابق اهمية التأكيد على شمولية مفهوم العشائر و عدم اقتصاره على منطقة جغرافية معينة.

هذا التناغم بين العشيرة و الدولة لم يعجب الكثير ممن لا تتفق اجندتهم مع اجندة العشائر و الدولة باعتباره  عائقا لجهودهم الاصلاحية كما يرون أو يحول بينهما و بين تحقيق أهدافهم عموماً. فعمدت بعض هذه الجهات الى البحث عن طريقة لاختراق هذه من خلال بعض الشخصيات العشائرية بضمهم لأحزابهم و حراكاتهم  و ترقيتهم حزبياً ليصبحوا واجهة الحزب أو الحراك  مستغلين هذه الصفة العشائرية  و ربما الجغرافية  و علاقتها الطيبة مع الدولة. و قد راقت هذه الفكرة لبعض الاشخاص من أبناء  العشائر فرحبوا فيها أيضاً.  لهذا و منذ بداية ما أطلق عليه الربيع و في مرحلته الثانية أردنيا ارتأت الحراكات الانتقال الى عقر دار هذه العشائر لتنظيم المسيرات هناك. و اصبحنا نرى لافتات تظهر بالحراكات بأسماء تجمعات عشائر كذا و كذا تطالب بسقوف عالية.

كانت العشائر تراقب هذا التغلغل الذي ربما ظنه الجاهل غفلة منهم عن ما يجري.  و لكنهم يملكون من الذكاء الذي لا ينفعل و لا يظهر بسرعة إلا عند الضرورة.  و كانت العشائر تستنكر تصرفات من يحمل لوحات باسمها بالمسيرات . و عندما أصرت هذه على المضي قدما باستغفال العشائر كان الجواب صريحا و صريحا  جدا في بعض المواقف مذكراً  إياهم بأن هناك خطوطا عشائريةً حمراء يجب أن لا يتجاوزها أحد.

كل ما سبق يدل دلالة واضحة أن العشائر الأردنية  كانت و ما زالت رقما صعباً و ضروريا لا يمكن التغافل عنه عند التخطيط لأي أمر في هذا البلد.  و هذه الحقيقة تدركها الحكومة و “جماعة الإخوان المسلمين”  بصفتهم الأكثر اطلاعاً على ترتيب البيت الأردني منذ زمن بعيد طبعا، و قد حاولت الجماعة في اكثر من مرة التنافس مع الحكومة على قلب العشائر. و للأسف لم تشكل باقي الأحزاب الصغيرة  أي جذب لأبناء العشائر لإعارتها أي اهتمام باستثناء بعض الحالات الفردية التي لا يعول عليها كثيرا.

لهذا و من وحي ادراك العشائر لهذا القيمة السياسية لها ارتأت أن تخط لها خط سير يضمن دائما وجودها على المسرح السياسي و لا يلغيه، و تقاتل إن حاول احد الاقتراب منه، و في حالتنا هذه هو قانون الصوت الواحد الانتخابي؛   و من هنا أصبحنا نسمع و منذ فترة عن مرشح العشيرة  و الالتزام بالتصويت له بعد انتخابه داخلياً على أسس يعلمها كبار القوم منهم.  وهذا النمط من التدبير أثار إعجاب العشائر الصغيرة التي لا وزن لها من ناحية العدد، فتآلفت و تكتلت مع العشائر الأخرى ببلد معين، فأصبحنا نسمع عن مرشح البلدة.  و الأسس هي هي كما هو الأمر بالحالة الأولى. و هذا طبعا لا غبار عليه اذا افترضنا ان العشائر ستفرز الاصلح وطنياً و ليس عشائرياً. و هل ستقدم العشيرة مصلحة الوطن على مصلحة العشيرة الضيقة؟ وماذا سيكون موقفهم ان لم يكن لديهم مرشح (يبيض الوجه) هل سيدعمون مرشحا آخر من عشيرة أخرى مثلاً؟

للأسف لقد كرّس قانون الصوت الواحد هذا التوجه و جعل من مقولة “عد رجالك و ارد المي”  ليست مجرد قول بل تعداه الى الفعل. فهل نتوقع من أبنائهم الذين سيدخلون المجلس أن يتنازلوا عن هذا الحق الذي يستثني  العشائر الصغيرة و باقي فئات الوطن. الجواب طبعا اخذناه من المجلس السابق الذي حدثنا بعض اعضائه و بصراحة عن الحقوق المكتسبة.

و السؤال هنا ماذا يفعل من لا رجال لديه تكفي ليرد الماي، هل يبقى ينتظر الى أن يصدر الرعاء أم يقيّض الله له القوي الأمين ليسقى له.  لقد رأت هذه الفئة من القائمة الوطنية مخرجا لهذا، و لكن (يا فرحة ما تمت)، فالكثير من أصحاب هذه القوائم  الذين تتصدر اسماءهم القوائم يرفضونهم لأنهم لا وزن انتخابي لهم و اتجهوا ايضا الى العشائر أيضاً ليحصلوا على دعمهم؛ هنا تتم المقايضة بين اصحاب القوائم  بأن تتضمن هذه القوائم اسماء من هذه العشائر بحيث يضمنوا  أصوات عشائرهم  للقوائم، و لهذا سيكون للعشائر نائبين بدلا من نائب واحد و بدل الصوت صوتين و الجاه جاهين.  و في الحقيقة لقد احسنت الجهات المعنية بتغيير اسم القائمة من الوطنية الى العامة لأن الجميع و الحمد لله (وطنيين).

فما الحل اذاً حتى نوفق بين هذا التوجه العشائري و بين التوجهات الاخرى. هنا سنعيد نفس الكلام الذي يقال في مثل هذه الحالات و هو  أن يقدم الجميع مصلحة الوطن على المصلحة العشائرية و الحزبية (فالأحزاب الكبيرة هي كالعشائر الكبيرة و لا تختلف عنها بشيء) بالتوافق على قانون موحد يحافظ على هذه الحقوق و لكنه لا ينسى الوطن، و التاريخ اثبت ذلك.  و لا أرى شخصيا انسب من قانون ال 89 لهذا. لا يجب ان تبحث كل فئة عن قانون مفصل كل على مقاسها فقط، فالأحزاب ترفض الصوت الواحد و العشائر تنادي به.  هنا يجب التذكير أن قانونا انتخابيا جديدا كان بطريقه إلى الظهور على شكل قوائم ، إلا ان رفضه من قبل الحراكات التي كانت تستقوي على البلد بما يحصل حولنا هو من قاد بالنهاية الى الرجوع لقانون الصوت الواحد؛ لقد رفضت هذه الحراكات القانون الناتج عن لجنة الحوار مسبقاً قبل إقراره، و رفضت قانون حكومة الدكتور عون الخصاونه قبل أن يناقشه مجلس النواب.  إن كل التعنت من قبل الأحزاب قد فوت  الفرصة  لاختبار قانون عصري و  لهذا الجأ ظهر الحكومة الى الحائط و هذا ما يحذر منه كل عاقل و أرجعتنا الى قانون الصوت الواحد مع الرتوش القائمة الوطنية.

و إلى أن نجد الحل المناسب تبقى العشائر الرقم الصعب الذي يفرض مرشحيه كما يجب و تخطب و ده كل الأطراف  حكومة و حراكات، فهم في دلال ما بعده دلال و حق لهم أن يتدللوا، فهم الجهة الأكثر تنظيما و تعرف ما تريد تماما، و إن حسبها الجاهل خلاف ذلك.

و على راي المرحوم الفنان توفيق النمري

اشعل النار يالنشمي بأسرع و سيلة

و انده بالصوت العالي رجال القبيلة