العيد الحادي والخمسون لميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني

2013 01 29
2013 01 29

يؤكد الأردنيون في العيد الحادي والخمسين لميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني الذي يوافق في الثلاثين من شهر كانون ثاني اعتزازهم وفخرهم بوطنهم وقائدهم، وبأن يبقى الأردن وطنا للحرية والأمن والاستقرار . وحرص الأردنيون وهم يحتفلون بهذه المناسبة على بذل جهود وطنية مخلصة واستثنائية تليق بالعيد وبصاحبه، ليزهو الوطن بمنجزات إصلاحية مهمة تحققت باقتدار وأديرت بحكمة، وبقي الأردنيون وكما كانوا على الدوام لا تلين عزيمتهم ولا تكل مساعيهم ولا هم يحيدون عن مبادئهم وثوابتهم وعقيدتهم، وعبروا عن ذلك بمشاركتهم الكبيرة في الانتخابات النيابية الاخيرة . وتمضي المملكة الأردنية الهاشمية في عهدها الرابع بقيادة الهاشميين، واثقة متوجة بالعز والفخار تؤكد وجودها كدولة عصرية ديمقراطية عصية على التراجع أو الانحناء أمام التحديات، دولة تكبر وتزهو بمنجزاتها وتاريخها وحضارتها ومستقبلها وبدورها المحوري والمهم في قضايا المنطقة التي ازدادت تعقيدا وخطورة . ولد جلالة الملك عبدالله الثاني صبيحة يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان سنة 1381 هجرية الموافق للثلاثين من كانون الثاني 1962 ميلادية . وقال المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، في خطابه الذي وجهه إلى شعبه الأردني في الرابع من شباط 1962 “لقد كان من الباري جل وعلا، ومن فضله علي وهو الرحمن الرحيم أن وهبني عبدالله، قبل بضعة أيام، وإذا كانت عين الوالد في نفسي قد قرت بهبة الله وأعطية السماء فإن ما أستشعره من سعادة وما أحس به من هناء لا يرد، إلا أن عضوا جديدا قد ولد لأسرتي الأردنية، وابنا جديدا قد جاء لأمتي العربية” . أمضى جلالة الملك عبدالله الثاني المرحلة الأولى من تعليمه في الكلية العلمية الإسلامية في عمان، وانتقل في المرحلة الإعدادية والثانوية، إلى مدرسة سانت ادموند في ساري بانجلترا ومن ثم إلى مدرسة إيجلبروك وبعدها إلى أكاديمية دير فيلد في الولايات المتحدة الأميركية. نشأ جلالته عسكرياً محترفاً، فقد تدرج في المواقع العسكرية من رتبة ملازم أول، إذ خدم كقائد فصيل ومساعد قائد سرية في اللواء المدرع الأربعين، وفي عام 1985 التحق بدورة ضباط الدروع المتقدمة في فورت نوكس بولاية كنتاكي في الولايات المتحدة الأميركية، ليعود جلالته بعدها قائدا لسرية دبابات في اللواء المدرع 91 في القوات المسلحة الأردنية برتبة نقيب في العام 1986، كما خدم في جناح الطائرات العمودية المضادة للدبابات في سلاح الجو الملكي الأردني كطيار مقاتل على طائرات الكوبرا العمودية، وهو مظلي مؤهل في القفز الحر. وكانت لجلالته عودة إلى الدراسة الأكاديمية العليا في العام 1987، حيث التحق بكلية الخدمة الخارجية في جامعة جورج تاون في واشنطن، وأتم برنامج بحث ودراسة متقدمة في الشؤون الدولية ضمن برنامج (الماجستير في شؤون الخدمة الخارجية) المنظم تحت إطار مشروع الزمالة للقياديين في منتصف مرحلة الحياة المهنية. وعاد جلالته ليستأنف خدمته العسكرية، إذ عمل كمساعد قائد سرية في كتيبة الدبابات الملكية 17 في الفترة بين كانون الثاني 1989 وتشرين الأول 1989 ومساعد قائد كتيبة في الكتيبة ذاتها من تشرين الأول 1989 وحتى كانون الثاني 1991 ، وبعدها تم ترفيع جلالته إلى رتبة رائد، وخدم كممثل لسلاح الدروع في مكتب المفتش العام في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية. قاد جلالة الملك عبدالله الثاني كتيبة المدرعات الملكية الثانية في عام 1992 وفي عام 1993 أصبح برتبة عقيد في قيادة اللواء المدرع الأربعين، ومن ثم أصبح مساعداً لقائد القوات الخاصة الملكية الأردنية، ثم قائداً لها عام 1994 برتبة عميد ، وأعاد تنظيم القوات الخاصة في عام 1996 لتتشكل من وحدات مختارة لتكون قيادة العمليات الخاصة، ورقي جلالته إلى رتبة لواء عام 1998. وفضلاً عن خدمته العسكرية المتميزة والتي تولى خلالها مواقع قيادية عدة، تولى جلالته مهام نائب الملك عدة مرات أثناء غياب جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه عن الأردن، وكانت الإرادة الملكية السامية صدرت في 24 كانون الثاني عام 1999 بتعيين جلالته ولياً للعهد، علما بأنه تولى ولاية العهد بموجب إرادة ملكية سامية صدرت وفقا للمادة 28 من الدستور في يوم ولادة جلالته في 30 كانون الثاني عام 1962 ولغاية الأول من نيسان 1965. واقترن جلالة الملك عبدالله الثاني بجلالة الملكة رانيا في العاشر من حزيران 1993، ورزق جلالتاهما بنجلين هما سمو الأمير الحسين، الذي صدرت الإرادة الملكية السامية باختياره وليا للعهد في 2 تموز 2009، وسمو الأمير هاشم، كما رزق جلالتاهما بابنتين هما سمو الأميرة إيمان وسمو الأميرة سلمى. وباقتدار ونهج إصلاحي استطاع جلالته ومنذ أن تولى سلطاته الدستورية في السابع من شباط عام 1999 أن يرسم ومعه الأردنيون جميعا حاضرا مفعما بالعمل الجاد والدؤوب من اجل مستقبل متميز . لقد أرسى جلالته رؤية واضحة للإصلاح الشامل ومستقبل الديمقراطية في الأردن فجاءت أوراق النقاش التي خطها جلالته وحملت فكرا سياسيا متقدما ومنبثقا من استنارة مستقبلية ورؤية إستراتيجية مدروسة لتحفيز حوار وطني حول مسيرة الإصلاح وعملية التحول الديمقراطي وبناء التوافق، وتعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار، وإدامة الزخم البنّاء حول عملية الإصلاح. فجلالته قال في أولى تلك الأوراق النقاشية التي حملت عنوان “مسيرتنا نحو بناء الديمقراطية المتجددة “إنني أؤمن بأن رؤية المواطنين للعملية السياسية، سواء أكانوا يمثلون حزباً سياسياً أو فئة اجتماعية محددة، تقوم على اعتبارها فرصة للتنافس العادل والشريف من أجل الوصول إلى أفضل الأفكار والحلول”. وخلال العامين الماضيين وبسبب ظروف المنطقة وتحولات الربيع العربي التي أنتجت واقعا عربيا جديدا، وقف الأردن صامدا وواثقا واستطاع جلالته بحكمته ومعه الأردنيون جميعا استيعاب المستجدات في صورة مشرفة ونقية . فقد وجد الأردن نفسه أمام تحديات جديدة تمثلت باندفاع موجات من اللاجئين السوريين إلى أراضيه وانقطاع في امدادات الغاز المصري التي كانت مصدرا مهما لتوليد الطاقة، إضافة إلى أزمة اقتصادية عالمية أثرت على الاقتصاد الوطني، ومطالبات شعبية بتسريع عملية الإصلاح الشامل في المملكة، وجلالته يرى في الربيع العربي فرصة كي يمضي الأردن قدما في جهود الإصلاح وتحقيق التنمية في مختلف القطاعات . وفي مقابلة مع محررة الشؤون الدولية في مجلة لونوفيل اوبزرفاتور الفرنسية الشهر الجاري، قال جلالته: الأردن تقبل الربيع العربي وتبناه منذ بدايته، حيث شهد عملية إصلاح سياسي غير مسبوقة وتعديلات واسعة النطاق شملت ثلث الدستور، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية جديدة مثل الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية، وآليات رقابة أقوى، وتعزيز الفصل بين السلطات، وضمان استقلال القضاء، وعدم تغول سلطة على أخرى”. وفي عهد جلالته ازداد النسيج الاجتماعي منعة وقوة، ووقف الأردنيون جميعا في وجه التحديات ومحاولات بث الفرقة والتطرف والنيل من مقدرات الوطن، فكان أبناء الشعب الأردني الواحد وهم يخرجون للتعبير السلمي عن آرائهم وتطلعاتهم مثالا في الحرص على امن وطنهم واستقراره وازدهاره، وشكلوا على مدار أكثر من عامين جرت فيهما آلاف المسيرات صورة حضارية عز نظيرها في المنطقة . وجلالته يؤكد أن ما يميزنا نحن الأردنيين أن لدينا تاريخا وإرثا قائما على أسس راسخة من التسامح والاحترام المتبادل، وبالرغم من أننا قد نختلف في توجهاتنا السياسية، إلا أننا نتشارك في نفس القيم، فنحن شعب واحد يجمعنا مصير واحد في هذا الحمى العربي الهاشمي. وكانت ثقة جلالته بان تؤدي خارطة الإصلاح السياسي إلى إجراء انتخابات نيابية وفق قانون انتخاب يضمن أعلى درجات التمثيل وصولا إلى تشكيل حكومات برلمانية عزز ذلك تعديلات دستورية مهمة وتشكيل الهيئة المستقلة للانتخاب والمحكمة الدستورية، وإقرار قانون معدل لقانون الانتخاب لمجلس النواب وقانون للأحزاب. وليس ذلك آخر المطاف، فالأردنيون مقبلون على مرحلة تزيد ربيعهم بهجة، حيث يشهد الأردن وللمرة الأولى في تاريخه تشكيل حكومات منبثقة من البرلمان، وفي الورقة النقاشية وعنوانها (تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين) قال جلالته: إن الممارسة السياسية درجت على أن إشراك نواب في الحكومات هو من باب الاستثناء وليس القاعدة، لذلك، علينا أن نباشر في بناء نظام الحكومات البرلمانية. المواطنة الحقة في صلب تكوين المجتمع الأردني تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم بقي ذلك في عهد جلالته من مميزات الدولة الأردنية ، ارتكزت على قيم نهضت بموجبها الدولة الحديثة، حيث يقول جلالته: لا أحد يحتكر مكونات الدولة، النظام هو المؤسسات والمواطنون، وكل فرد في هذا المجتمع هو جزء من النظام، وهذا البلد، الذي لا يملك إلا رجالاته وعزيمتهم، تحدى المستحيل بتضحيات لن تنسى ، وهذه الدولة الأردنية ليست إنجازا لشخص، أو طرف واحد، وإنما هي إنجاز تراكمي لكل الأردنيين من جيل إلى جيل. وفي مجال تعزيز منظومة النزاهة أمر جلالته بتشكيل لجنة ملكية خاصة بهذا الشأن تأكيدا على إرساء المبادئ العليا التي قام الوطن من أجل إعلائها كالعدالة ، والمساواة، وسيادة القانون والتي يراها جلالته والأردنيون معه ركائز جوهرية للحوكمة الرشيدة وقاعدة أساسية ومنطلقا ثابتا للمسيرة الإصلاحية . وكانت قضايا المواطنين خاصة الطبقة الفقيرة والمتوسطة محط الاهتمام الملكي، فقد أولاها جلالته عناية خاصة، فكان توفير السكن الملائم للعديد من الأسر العفيفة وعلى نفقة جلالته الخاصة وقوافل خير تصلهم إلى بيوتهم إضافة إلى الخطط الخاصة بتوفير فرص العمل وتقديم القروض الميسرة للمشروعات الصغيرة وشمول المستحقين في برامج صندوق المعونة الوطنية الذي بدأ بتخطي مفهوم المعونة المالية المباشرة إلى مفهوم المعونة الدائمة التي تضمن توفير فرص حياة كريمة. وبشكل حثيث ومتواصل كانت لقاءات الملك مع أبناء الوطن وخلال عام يفصل بين عيده الخمسين وعيده اليوم التقى جلالته بأبناء الوطن في البوادي والأرياف والمخيمات. وفي تلك اللقاءات تأكد الإيمان الراسخ بان جلالته قريب دوما من أبنائه وهمومهم وتطلعاتهم وانه لا حاجز أو وسيطا بينهم، وأهمية أن يدرك الجميع التحديات التي تواجه الوطن ومسيرته نحو البناء والتنمية والحاجة إلى مزيد من التنسيق والتعاون سواء كان ذلك على مستوى التعامل مع القضايا الداخلية والهموم الاقتصادية أو على مستوى المستجدات التي تواجهها المنطقة . وجاءت مبادرة التعليم الأردنية في مقدمة خطط تطوير التعليم التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني خلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في المملكة عام 2003، باعتبارها مثالا ناجحا للشراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف تحقيق الإصلاح التعليمي، وتسريع وتيرة الجهود الموصلة إليه من خلال تبني تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالشكل الأمثل. وانخفضت نسبة الأمية حتى نهاية الربع الثالث من العام الماضي لتبلغ 6ر6 بالمائة بواقع 4ر3 بالمائة للذكور و8ر9 للإناث فيما كانت 7ر11 بالمائة في عام 1999. وأطلق جلالته سلسلة من المبادرات الملكية ومن ضمنها رسالة عمان والأجندة الوطنية وكلنا الأردن والأردن أولا وتطوير التعليم ودعم الثقافة وحقوق الإنسان وتقنية المعلومات. كما انطلقت رؤية جلالته في تأسيس المركز الوطني لحقوق الإنسان عام 2002 حيث تستند الرؤية الملكية في إنشائه إلى ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان في المملكة على مستويات الفكر والممارسة، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب العرق أو اللغة أو الدين أو الجنس، وتعزيز النهج الديمقراطي لتكوين نموذج متكامل ومتوازن يقوم على إشاعة الحريات وضمان التعددية السياسية واحترام سيادة القانون، وضمان الحق في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والسعي لانضمام الأردن إلى المواثيق والاتفاقيات العربية والدولية الخاصة بحقوق الإنسان . وفي الشأن الاقتصادي عمد الأردن في عهد جلالته إلى الانفتاح على العالم الخارجي واستقطاب استثمارات القطاع الخاص واتخاذ سياسات لتحرير الاقتصاد الوطني، وترافق ذلك مع توجيه دور الحكومة إلى الرقابي الذي يشمل منع الاحتكار وحماية المستهلك من المغالاة في أسعار السلع والخدمات والحفاظ على البيئة والأمن الوطني والمال العام والتدخل في آلية السوق عند فشل اقتصاد السوق في تصحيح التجاوزات في القطاعات المختلفة. وشهد الأردن منذ تسلم جلالته أمانة المسؤولية تطورات مهمة في المجالات الاقتصادية، تمثلت بتوقيع اتفاقيات عربية ودولية لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وتعديل أنظمة وقوانين الاستثمار، ما اوجد بيئة استثمارية صحية مقرونة بأساليب تحصيل عامة أكثر كفاءة، مثل تعديلات قوانين ضريبة الدخل والطوابع والرسوم والوكلاء والوسطاء والتجار والضمان الاجتماعي . لقد بقيت معدلات النمو للاقتصاد الأردني وبالتالي نمو إجمالي الدخل خلال الفترة 2001 – 2009 في المتوسط حوالي 5ر6 بالمائة بالأسعار الثابتة. وكان أداء الاقتصاد الأردني جيدا عام 2012 رغم التحديات التي واجهها والمتصلة في وقف تدفق الغاز من مصر والصراع الدائر في سوريا وتزايد تدفق اللاجئين السوريين إلى الأردن وارتفاع في أسعار النفط وتراجع في المنح الخارجية والتي وضعت ضغوطا على اقتصاد المملكة، ويكشف تقرير لمجموعة أكسفورد للأعمال أنه رغم المخاوف، فإن الاقتصاد الأردني واصل التوسع مع توقعات تحقيق نمو نسبته 3 بالمائة حسب صندوق النقد الدولي المبنية على أداء الاقتصاد الأردني للنصف الأول من العام الماضي مقارنة مع 6ر2 بالمائة للعام 2011 وتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في المملكة بنسبة 5ر3 بالمائة العام 2013 وان يواصل النمو إلى 5ر4 العام 2017. وأشاد التقرير بالإجراءات التي اتخذها البنك المركزي الأردني في المحافظة على احتياطات المملكة من العملات الأجنبية وفي إجراءاته الأخيرة برفع أسعار الفائدة على الدينار الأردني لتعزيزه كوعاء ادخاري وطني. وفي بيان للبنك المركزي الشهر الجاري، قال إن البيانات الأولية ، أظهرت ارتفاع عائدات المملكة من الدخل السياحي بنسبة3ر15 بالمائة الى5ر3 مليار دولار (نحو 5ر2 مليار دينار) العام الماضي مقارنة مع 3 مليارات دولار العام 2011 ، وعزا هذا الارتفاع الملحوظ إلى زيادة أعداد زوار المملكة ولاسيما من دول الخليج العربي وبقية الدول العربية، حيث نما الدخل المتأتي منهم بنسبة 7ر15 و1ر47 بالمائة على الترتيب. ووجه جلالته في كتاب التكليف السامي للدكتور عبدالله النسور بتشكيل لجنة من الخبراء المحليين والدوليين في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية من ذوي الخبرة والنزاهة والحياد وتكليفهم بمراجعة سياسات وعمليات الخصخصة التي قامت بها الحكومات الأردنية المتعاقبة منذ الأزمة الاقتصادية عام 1989 للوقوف على أثرها الاقتصادي والاجتماعي على أساس الحقائق وليس الانطباعات أو الإشاعات، لمعرفة نقاط الضعف والنجاح وإطلاع المواطنين على نتائجها بكل شفافية، والاستفادة من الدروس المستقاة، وتضمينها في عملية رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية. وجلالته يؤكد أن عصب العملية الاقتصادية هو الطاقة، حيث يواجه الأردن تحديات كبيرة في هذا المجال بسبب الارتفاع المستمر في فاتورة الطاقة ودعمها، وهي عناصر تأثرت بارتفاع الأسعار العالمية، فاهتم الأردن بتنفيذ البرامج والسياسات التي تضمن تنويع مصادر الطاقة، خاصة البديلة والمتجددة والبرامج المساندة التي تزيد من كفاءة استخدامنا واستهلاكنا لها، والتسريع في المشروعات الإستراتيجية للطاقة. وعلى الصعيد التنموي، تم إطلاق صندوق تنمية المحافظات الذي أمر جلالته بإنشائه لضمان عدالة أكبر في توزيع مكتسبات وعوائد التنمية على مختلف المناطق وإيجاد فرص عمل جديدة وتعزيز ثقافة الأعمال الريادية بالإضافة إلى توفير فرص أكبر للقروض الصغيرة والميسرة، ولاسيما في المناطق ذات الظروف الخاصة والأقل حظاً وبما يشجع روح المبادرة والاعتماد على الذات. كما أمر جلالته بإقامة مناطق تنموية بهدف ضمان إحداث نقلة نوعية في مسيرة التنمية المستدامة ومكافحة الفقر والبطالة وإيجاد حلقات تنموية متكاملة تعمل على توفير فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين وكذلك ضمان توزيع مكتسبات وثمار التنمية على محافظات المملكة. واعتمدت في عهد جلالته الإستراتيجية الوطنية للتشغيل التي تولي الشباب أهمية كبيرة في سبيل تمكينهم من بناء مستقبلهم وإيجاد فرص العمل الملائمة لهم، وخلال الشهر الجاري رعى جلالة الملك عبدالله الثاني حفل إطلاق الحملة الوطنية للتشغيل (كلنا شركاء) التي توفر 18 ألف فرصة تدريب وتشغيل للأردنيين بامتيازات جاذبة وتنفذها وزارة العمل بالتشارك مع أكثر من 120 مؤسسة وطنية من القطاعين العام والخاص. وشارك الأردن بقيادة جلالته في العديد من مؤتمرات المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) وأسهمت جهود جلالته في استضافة هذا المؤتمر في منطقة البحر الميت أكثر من مرة، ما كان له الأثر الايجابي في فتح آفاق اقتصادية جديدة وعلاقات تجارية وصناعية أسهمت في تحفيز النمو الاقتصادي. وفي لقاءاته المتكررة مع الفعاليات الاقتصادية، يؤكد جلالته دوما أن القطاع الخاص شريك أساسي في عملية التنمية ، وأن الإصلاح الاقتصادي هو الذي يعزز البيئة الجاذبة للاستثمار ويسهم في توفير فرص العمل ويتصدى لتحدي الفقر والبطالة ويدعو إلى توحيد جهود المؤسسات المعنية بجذب وتشجيع الاستثمارات من خلال الاستناد الى مرجعية واحدة وواضحة بهذا المجال الحيوي كما يهتم جلالته بدور المستثمرين العرب والأجانب في المساهمة بتحقيق التنمية الاقتصادية والشاملة في المملكة. وجلالته يؤكد كذلك ضرورة دعم المشروعات والمؤسسات الريادية التي تسهم في تحقيق مردود اقتصادي وتوفر فرص العمل للأردنيين ما يسهم في التصدي لمشكلتي الفقر والبطالة. وشهدت مدينة العقبة في عهد جلالته تحولا جذريا، حيث أصبحت منطقة اقتصادية خاصة نفذت فيها العديد من البرامج والمشروعات الاستثمارية، وخلال العام الماضي وضع جلالته حجر الأساس لميناء جديد في المنطقة الجنوبية لمدينة العقبة. ويحظى قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات باهتمام نوعي من جلالته، حيث تم وضع استراتيجيات تعزز دور الأردن كمركز ريادي في هذا المجال على مستوى المنطقة . وللخروج من الأزمة الاقتصادية أكد جلالته أن القرارات التي تتخذها الحكومة لخدمة الوطن على المدى البعيد، يجب أن تقابلها رؤية متوازنة تقوم على حماية المواطن الذي هو أساس العملية التنموية . وفي مجال الإصلاحات القضائية، تم التصديق على عدة قوانين لزيادة تعزيز استقلال الجهاز القضائي وتبسيط الإجراءات القضائية. وأولى جلالته الشؤون الدينية رعاية خاصة تمثلت بإطلاق رسالة عمان في رمضان عام 2004 ، واسبوع الوئام بين الأديان، وإعادة منبر صلاح الدين الأيوبي إلى المسجد الأقصى المبارك، وخلال العام الماضي وبرعاية ومباركة جلالته جرى التوقيع على إنشاء وقفيتي الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لدراسة فكر الإمامين الغزالي والرازي اللتين قدمتا هدية للأمة الإسلامية بمناسبة الذكرى الخمسين لميلاد جلالته. واهتم جلالته بتعزيز مفهوم التعايش المشترك بين الشعوب، فكانت له لقاءات متكررة مع علماء ورجال الدين، مؤكدا على الدوام أن الأردن سيبقى انموذجا في التآخي بين أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية وتعظيم القواسم المشتركة بين أبناء الديانات السماوية. ولا ننسى رعاية جلالته المتواصلة ودعمه للقوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، تقديرا لدورها الوطني الكبير الذي يقوم به منتسبوها دفاعا عن أمن الوطن واستقراره ورفعته. وما توفير السكن المناسب لمنتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية إلا جزء من سلسلة المكرمات الملكية المتتالية في إطار جهود جلالته المستمرة لتحسين ظروفهم المعيشية، وتوفير المسكن المناسب لهم ولأسرهم، وفي عام 2007 أعلن جلالته عن دعمه لصندوق الإسكان العسكري الخاص بأفراد القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية بمبلغ عشرين مليون دينار . وواصل جلالته كذلك دعم اسر وذوي شهداء الوطن وتوفير الرعاية لهم وشمولهم ضمن قانون الإسكان العسكري. ويدعم جلالته دوما الشباب بصفتهم بناة المستقبل وعنصرا فعالا مشاركا في العملية التنموية الشاملة، وتحقيقا لرؤية جلالته الشمولية للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، كلف جلالته في كانون الأول الماضي صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية بتأسيس برنامج جديد يركز على تنمية الانخراط المدني الفاعل وتعزيز المجتمع المدني في الأردن عبر تطبيق مفهوم الريادة الاجتماعية من خلال تعميق الحوار الاجتماعي وتوسيع مشاركة الشباب ومساءلة المؤسسات العامة وتعزيز ثقافة الديمقراطية وقيمها. وفي مجال الرعاية الصحية يرى جلالته أن تحسين مستوى حياة المواطن يتطلب الاهتمام بالرعاية الصحية، وهي حق كل مواطن ومواطنة، فالإنسان السليم المطمئن على صحته وصحة أبنائه وأسرته، الإنسان القادر على العمل والإنتاج . وينفق الأردن ما يقارب 9 بالمائة من إنتاجه المحلي الإجمالي على خدمات الرعاية الصحية كما أن أكثر من 85 بالمائة من الأردنيين مؤمنون صحياً فيما يصل عدد المستشفيات إلى 106 إضافة إلى نحو 1500 مركز صحي ويراجع نحو 67 بالمائة من سكان المملكة مستشفيات وزارة الصحة، و25 بالمائة الخدمات الطبية الملكية، و8 بالمائة مستشفيات القطاع الخاص والتأمينات الصحية، وتمكن الأردن من تخفيض معدل وفيات الأطفال (30 وفاة لكل ألف ولادة في العام 1998 مقابل 23 في العام 2009)، وأعلن العام الماضي عن خلو المملكة من الأمراض المعدية . وفي الحادي عشر من تشرين الأول الماضي افتتح جلالة الملك مركز معالجة الأورام في مستشفى الملكة علياء بكلفة 12 مليون دينار الذي يعد الأول على مستوى الخدمات الطبية الملكية. وبقيت القضية الفلسطينية هي المركزية التي لم تغب عن بال جلالته، وإذ تميز عام 2012 باعتراف أممي بفلسطين دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة ، كان الأردن بقيادة جلالته السند والداعم للشعب الفلسطيني، وكانت زيارته التاريخية إلى رام الله تلك الزيارة التي أكدت وقوف الأردن إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين، ومساندته لهم في سعيهم لتحقيق تطلعاتهم في إقامة دولتهم المستقلة والكاملة السيادة على ترابهم الوطني. وفي إطار علاقات الأردن مع أشقائه العرب كان لجلالته لقاءات مع عدد من قادة الدول العربية على ارض الوطن وزيارات لعدد من الدول العربية ركزت على أهمية تمتين وتقوية العلاقات العربية – العربية وتوحيد الجهود من اجل مصلحة شعوبها ونبذ كل أنواع العنف . وقدم الأردن جل ما يستطيع لمساعدة الشعوب العربية في محنها وأزماتها، وبقي على الدوام يؤكد وقوفه إلى جانب دعم استقرار وامن جميع الدول العربية والحرص على تعزيز وتطوير علاقات التعاون الثنائي والارتقاء بها بما يحقق المصالح المشتركة للشعوب العربية . وتستمر السياسة الخارجية الأردنية باتباع سياسة متوازنة تنظر لجميع دول العالم بمنظار حضاري يتميز بالاحترام والتقدير المتبادل، فكان لقادة العالم وصناع القرار في عدد من الدول لقاءات مع جلالته، حيث قال جلالة الملك في السابع عشر من نيسان الماضي في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ “نحن شعوب عديدة تعيش في جوار واحد ولها مستقبل واحد، يشكل تحديا ومصدر قوة أمام أوروبا والشرق الأوسط اللذين يواجهان معا قضايا كبيرة، ذات علاقة بالاقتصاد والسياسة والسلام”. وفي شهر أيلول الماضي ألقى جلالة الملك خطابا في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة والستين قال فيه “أصدقائي، قبل سبعين عاما تقريبا، اختارت بلدان من كل قارة أن تجتمع معا على أمل الوصول إلى عالم يوحده السلام واحترام البشرية، وبعد حرب عالمية مريرة مدمرة، جاء إنشاء الأمم المتحدة كخطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح واليوم وبعد ثلاثة أجيال تقريبا، تعلمنا أن مجرد اتخاذ الخيارات الصحيحة ليس بالأمر الكافي لوحده، بل يجب علينا أن نتبع ذلك بالعمل الجاد كشعوب متحدة ، وعلينا أن نتخذ الخطوات الصحيحة والشجاعة الآن وليس غدا.