الغرايبة : احترام قيمة الإنسان هو المعيار

2013 08 19
2014 12 14

705المعيار الصحيح من كل الوجوه، والأكثر دقة وسلامة بأعراف كل البشر يتجلى باحترام قيمة الإنسان، وصيانة كرامته وحماية حريته، وضمان حقوقه، وتوفير أسباب السلامة لبدنه وعقله ونفسه وأحلامة وطموحاته، وينبغي مراعاة هذا المعيار في تعامل الدولة مع رعاياها، و تعامل المؤسسة مع موظفيها، و تعامل الرئيس مع مرؤوسيه، و تعامل الأستاذ مع طلابه، والمعلّم مع تلامذته، ورب الأسرة مع أفراد عائلته وسائق الحافلة مع ركابه. .. لقد خلق الله الانسان مكرمّاً حرّاً، فقال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» ،بمعنى أن الكرامة صنو الآدمية، وهي مرتبطة بصفته الانسانية، بعيداً عن كل أنواع التمييز القائم على الجنس أو العرق أو الدين أو اللون أو السن، ومن مقتضيات الكرامة؛ أن يكون الانسان حرّاً مالكاً لإرادته المطلقة، كما أن الله جعل الإنسان فوق مخلوقات الكون وسخر له الموجودات، وأخضع له النواميس، من أجل تمكينه من حمل الأمانة المتمثلة بإعمار الأرض ورعاية المخلوقات، وحفظ التوازن الدقيق الذي تقوم عليه العلاقات الكونية..

الفكرة الجوهرية المرفوضة في (الاستعمار) أنها تمثل اعتداءً على قيمة الإنسان وحطّاً من كرامته، عندما يتسلط شعب على شعب ويصادر إنسانيته، وينهب مقدراته، ويسرق خيراته، ويمارس عليه الظلم بكل أبعاده، والتمييز بكل أشكاله، وهو العيب الجوهري نفسه المرفوض كذلك في فكرة «الاحتلال»، فعندما تحتل دولة قوية دولة ضعيفة، وتعمل على مصادرة أرضها، وتقيد حرّية شعبها، وتدمر منازلهم، وتستولي على مقدراتهم، كل ذلك يتلخص بالإخلال بمعيار القيمة الانسانية، التي تعد قاعدة لكل معاير التعامل البشري..

إذا كانت الأنظمة والسلطات الحاكمة تمارس بحق شعوبها كل ما يمارسه الاستعمار الخارجي والاحتلال الأجنبي من اعتداء على الإنسان ومصادرة حريته وعدم احترام آدميته، ومصادرة أمواله وممتلكاته، وتقييد تصرفاته، واستخدام القوة في ايذائه وقتله، ومصادرة رأيه، ومنعه من التعبير، وتضييع حقوقه، وتشويه سمعته، ومسخ ادميته، ووصفه بكل صفات الإجرام والارهاب، فما هو الفرق الجوهري عندئذ بين أنظمة القتل المحلية وبين الاستعمار الغاشم والاحتلال المجرم!اذا كانت تفعل كما يفعل المستعمرون والمحتلون الذين يقتلون الضحية ويسفكون دمه ويصادرون كل حقوقه وممتلكاته ثم يصفونه بأنه مجرم و إرهابي، من أجل تبرير الجريمة وتزوير الحقيقة وتضليل الأجيال!! عندما وقعت الشعوب العربية تحت نير الاستعمار الخارجي والاحتلال الأجنبي، مكثت عقوداً وهي تتصدى وتقاوم المستعمر الدخيل، من أجل استنقاذ انسانيتها أولاً، واستعادة أرضها وممتلكاتها المسلوبة، ومقدراتها المنهوبة ثانياً، وضحوا بدمائهم من أجل نيل حرياتهم وضمان مستقبل أبنائهم، وبعد كل تلك الجهود والتضحيات وجدوا انفسهم أمام طغم عسكرية مستبدة، استولت على الحكم بالقوة! ومارست ما يمارسه المستعمر من مصادرة الحريات والاستيلاء على أموال الناس وأراضيهم، واستخدامها بقتلهم وسفك دمائهم وقتل أطفالهم ومصادرة احلامهم!!.

يا ليتهم يفعلون ذلك وهم صامتون أو أنهم يعترفون بأخطائهم، بل عمدوا الى استخدام الجيوش والقوات المسلحة باستباحة المدن وقتل المواطنين المعتصمين في الساحات والمساجد ، الذين يطالبون بحقوقهم وحرياتهم، ثم يسخّرون إعلامهم لوصفهم بالإجرام والارهاب.

كنا نظن ونتوهم أننا غادرنا مرحلة الاستيلاء على الحكم بالقوة، وغادرنا مرحلة استباحة قتل المواطنين في الساحات والشوارع، وغادرنا مرحلة الاتهام بغير دليل، والتشويه بلا وازع من دين أو ضمير، وإذ بها تعود الصورة نفسها بكل ألوانها واشكالها وتجلياتها وشخوصها وادواتها.

من بديهيات احترام كينونة الإنسان ألا يتم اتهامه إلاّ بدليل، ولا يصدر عليه حكم إلاّ من سلطة قضائية محترمة، تسمع منه أولاً، وتسمح له بالدفاع عن نفسه، بينما ما نراه وما نسمعه في مصر؛ يجري الاتهام بحرق الكنائس وقتل الناس وحيازة الاسلحة! واصدار الحكم وتنفيذه ميدانيا!! دون تشكيل لجان تحقيق! أو سماع شهود! أو الاتيان بدليل! ويتم ترديد التهمة بكل وسائل الإعلام، وعلى ألسن الكتاب ورجال السياسة والصحافة، دون تريث أو استخدام للعقل أو احترام أو تقدير للقيمة الانسانية.

عندما تضيع قيمة الإنسان، ولم تعد معياراً في التعامل، تفقد الحياة قيمتها ومعناها، ويصبح الموت أفضل من الحياة.

الدستور

الدستور