الفشك الاردني بقلم الدكتور بكر خازر المجالي

2013 05 01
2013 05 01

لا نعرف الى متى ستبقى سياسة الاعلام والتربية والثقافة الوطنية تعتمد على رد الفعل فقط ولفترة محدودة وذلك كلما قام جاهل بتاريخ الوطن وتضحياته او حاقد ما عرف حب الوطن ولا عرف معنى الشهادة بالقاء حجر ليس في بئر بل في وجه هذا الوطن الذي رغم كل الجراح وكل الحقد والنكران مستمر في مد اياديه الى الايدي التي تحمل السكين والخنجر .

ربما نقول ان هناك قصور في سياسات التربية الوطنية على اي صعيد ، وفقر في المتاحف الوطنية وضحالة الندوات والمؤتمرات والزيارات التي تلتقي وتاريخ الوطن الاردني ، وهنا مسؤولية التجهيل في الانجاز التاريخي الوطني اصبحت حالة واقعة ان كنا نقصدها او غير ذلك.

ولكن حين يكون المرء جاهل بحقيقة تاريخ الجيش العربي الاردني فالافضل ان يصمت الى ان يعرف حقيقة تضحياته وادواره وحجم مسؤلياته ثم لينطق بالحقيقة ، واعتقد ان القراءة البسيطة في تاريخ الجيش العربي الاردني ومعاركه فوق ارض فلسطين عام 1948 وعام 1967 وفي سنوات متفرقة هي اصدق الشواهد التي تعطينا صورة الواقع ، وايضا فان من يزور الجبهة الاردنية في فلسطين يقرأ بكل بساطة فيما يدونه العدو في مكان كل معركة مع الجيش الاردني عن سير القتال ويدون على لوحة اسماء قتلاه في ذات المكان وغالبا ما يكون مجموع قتلاه اكثر من عدد شهدائنا. ومن يقوم بجولة في ميدان معارك باب الواد واللطرون نقرأ على لوحات عديدة ونصب تذكارية اسماء قتلى العدو في دير اللطرون ويالو والقباب وخلدا وتل معاذ ، وهناك حول القدس في تل الشيخ عبدالعزيز لوحة ياسماء قتلى العدو في واحدة من معارك 67 ، وايضا وبالقرب من بلدة العوجا الى الشمال من اريحا يرتفع نصب تذكاري للعدو وجدارية منحوت عليها اسماء اكثر من 2000 قتيل من الصهاينة في مواجهة الجيش العربي الاردني من بينهم قتلى العدو في معركة الكرامة الخالدة كلهم سقطوا بالفشك الاردني .

ولا زال قادة القتال في تل الشيخ جراح عام 1967 الرائد نبيه السحيمات والرائد حمود ابو قاعود احياء يتحدثون عن اشرس انواع المعارك مع العدو الذي وصل الى خنادقهم بكثافة ودار اشتباك وملحمة استشهد فيها حوالي 90 جنديا اردنيا ،وما كان للعدو ان يتقدم انشا واحدا لو كان هناك غطاء جوي للمقاتلين الاردنيين في 67. وقد بقي في ميدان تلة الذخيرة 17 شهيدا اردنيا قام العدو بدفنهم وكتب على ضريحهم : هنا يرقد 17 اردنيا شجاعا .

وصل عدد الشهداء الاردنيين في العمليات العسكرية الى حوالي 2500 شهيد يقابلهم اضعاف هذا العدد في الجانب المعادي ، ولا اعتقد او ربما اعتقد ان جنودنا الاردنيين قد قتلوا هذه الاعداد الهائلة من الاعداء بمقاليع الحجر او بالشواكيش وبامواس الكباس ، واعتقد او لا اعتقد ان جيشنا كان يتنزه في حدائق القدس وفوق اسوارها ، ربما تختلط المعدلات لدي ولا اعرف ما هو اسلوب الرد حين نصطدم بجاهل او حاقد يكلف نفسه وبكل يسر زيارة مقرات الاعداء والتي هي على مقربة من مقابر الشهداء الاردنيين في الشيخ جراح ولا تبعد عن مقبرة البيرة في رام الله التي تضم 34 شهيدا اردنيا وسط حفاوة وتقدير اهل البيرة ورام الله او اؤلئك الاردنيين الراقدين بسلام في مقبرة اليامون في جنين او ان مثل هؤلاء ما عرفوا مشاركة بلدية نابلس ومحافظها في كل عام بالاحتفال بذكرى الشهادة والبطولة للمقدم صالح شويعر ورفاقه في معركة وادي التفاح والذين يرتفع صرحهم التذكاري هناك واصبحت قصة بطولتهم واستشهادهم جزءا من الموروث النابلسي ، او ان مثل هؤلاء الجاهلين بتاريخ الوطن والجيش ما سمعوا عن كيفية تقدير اهل طوباس للشهداء الاردنيين الخمسة في المقبرة الخاصة واستمرار البلدية هناك بوضع اكليل زهور بمراسيم خاصة عند كل زيارة او مناسبة. ولا ادري اذا كان وللاسف حتى من هو من (اهل البلاد ) لا يعرف تاريخ معركة السموع ولا تاريخ القتال والصمود في بيت مرسم ودير قسيس ولا في يعبد وقباطية وفي الكفير التي تضم ارضها اربعة عشر شهيدا اردنيا .

قصة التاريخ وشواهده دامغة ، ومن يريد الحقيقة اكثر ليلتقي اهل فلسطين ومن هم في جوار الاضرحة وميادين المعارك ليرى ان الدموع تسبقهم وهم يتحدثون بصدق المشاعر عن الاردنيين الذين قاتلوا من الجيش والامن العام في كل الأرجاء ، يتحدثون بكبرياء الفلسطيني المعتز بارضه المزروع فيها وقد انزرع بجوارهم صورة اخرى من الشهامة غرسها الجندي الاردني وطلعت قامة من العنفوان و الكبرياء.

ارض فلسطين هي صفحة تمتلء بالتاريخ بل هي سفر صادق يقرأ فيه الصادقون والطيبون والاخوة الحقيقيون ، ولاسف ان هناك من لا يجيد قراءة صفحات الشرف ويغيظه اي نجاح او انجاز .

يستعد الجيش العربي الاردني ومنذ اكثر من ستة اشهر لاخراج موسوعة خاصة باسم سجل شرف الشهداء الخالدين بدعم خاص من رئيس هيئة الاركان المشتركة الفريق الاول الركن مشعل محمد الزبن ، لتوثيق سجل الشرف والشهادة والبطولة لجيشنا العربي في ميادين القتال والعمليات المختلفة التي تتنوع جبهاتها والتي حمل الاردنيون دائما في قلوبهم معنى الوفاء والتضحية ومعنى قيمة الشهادة والقتال ، ويحتاج تاريخ الوطن الى موسوعات وموسوعات ويحتاج ايضا الى القيادات التي تدرك معنى ان نحفظ تاريخ الوطن ونرصده بعيدا عن محاولات الاحباط والتآمر وضيق الافق والتفكير ، لأننا في مواجهة مستعرة وممنهجة للنيل من سمعة جيشنا العربي الذي دائما يترفع عن السفاسف ويغض الطرف عن فقاعات الهراء هنا وهناك ، ولكن لا تكفي ثقتنا العظيمة بانفسنا وقناعتنا التامة ومعرفتنا باهداف الحاقدين والناكرين والاستعراضيين لأن لهم سوقهم وزبائنهم ومجال تأثيرهم ، وهنا نسأل : هل من خطط لمواجهة هذا النوع من الاستهداف للوطن الاردني ؟؟ وما هي اولويات العناية بتاريخ الوطن الاردني وتضحيات الجيش العربي الاردني في ظل ضعف السياسات او افتقارها للمعنى الوطني الاردني الحقيقي دون استعداء احد كان ؟ لماذا نخجل كثيرا من الحديث عن الوطنية الاردنية وكأنها دعوة للاقليمية وغير ذلك بينما غيرنا لا يتورع عن توجيه الاتهام وان ينسب انجازات هي لغيره له وسط صمتنا ،

لا يمكن توجيه اللوم لمن يتهم ان جيشنا في فلسطين كان بلا فشك ،وربما هو صادق في قوله اذا علم وعرف حقيقتين هما : ان شحنة قذائف مدفعية وفشك كانت قادمة بباخرة من بريطانيا للجيش الاردني وهو في ازمته الشديدة في حرب عام ولكن 1948 صادرتها السلطات المصرية في قناة السويس؟ وللان لا يوجد تبرير لهذا الاجراء ، والحقيقة الثانية لماذا لا زالت الدراسات والكتب تتناول قصة الاسلحة والفشك الفاسد الذي كان مع الجيش المصري في حرب عام 1948؟؟

لا نلوم من يتفوه بكلمة شر واتهام بحق جيشنا فهذه حرية لا تصونها القوانين والتشريعات بل هي في حماية الفلتان والتطاول والاستضعاف والاستقواء ،وازمتنا ليست معه بل هي مع اؤلئك الذين قاتلوا بصدق وشرف ولا زالوا احياء ، ومع كوكبة الشهداء الراقدين في كل بقاع فلسطين وغيرها فماذا نقول لهم ،؟ وكيف نعتذر لهم ؟ وبماذا نعدهم ؟ هل نعدهم بأن نستمر في صمتنا ؟ ام نعدهم بمزيد من التشريعات التي تجرد الدولة من هيبتها تدريجيا ؟ ام بتجاهل الاستعراضات ومظاهر الاستفزاز التي ان عدنا الى التاريخ فان التحولات في الامم قد بدأت بهذه الطريقة وبهذه الاساليب ؟

ولكن يبقى سجل الشهادة الخالد وسفر التضحيات لجيشنا العربي هو الجواب لمن يبحث عن الحقيقة .

طوبى للشهداء الاردنيين الابرار ، وطوبى لكل المقاتلين الذي هم وسام الشرف والكبرياء للوطن الاردني الغالي .