الفيديو الفضيحة

2016 11 20
2016 11 20

img_0125_cropفي فيديو “تجميعي” قصير تم تداوله على نطاق واسع، يظهر مسؤولون أردنيون معلنين عن عشرات مليارات الدولارات من الاستثمارات ستأتي للمملكة، موفرة فرص عمل للمواطنين. وهو ما جعل كثيرين بيننا يبنون الآمال ممنين النفس بمستقبل أفضل.

الفيديو مضحك مبك في آن! إذ فيه مشاهد وتصريحات تكاد تصل الآن مستوى النكات والهزل، وذلك –ببساطة- لأن أياً من تلك المليارات لم يأتِ، وتبخرت طبعاً المشاريع التي وعد بها أولئك المسؤولون مع ترددات القنوات التي بثت وعودهم، أو أمنياتهم للدقة.

من أعد الفيديو ذكي؛ لأنه اجتهد وجمّع عدداً من تصريحات المسؤولين المتناثرة ووعودهم بما هو آت، ومن بينهم وزراء ورئيس حكومة؛ كل منهم يعلن عن مليارات الاستثمارات المقبلة. لكن الجوهر الأهم في هذا الجهد هو تقديمه بشكل مكثّف صريح مشكلتنا الأزلية، وهي المتمثلة في اتساع الفجوة بين التنظير والتطبيق عموماً، وضمنها بُعد المسافة بين الوعود وما يتحقق منها. وهي مشكلة ذات أبعاد خطرة متعددة، بحكم انعكاسها السلبي على مزاج المجتمع، وأيضاً على منسوب الثقة بالحكومات وكل ما تقول.

في الفيديو، قُدّمت بذكاء عينات من تصريحات مسؤولين. أحدهم يتحدث عن مشاريع بـ20 مليار دولار، وآخر يعلن عن استثمارات بقيمة 7 مليارات دولار، وهكذا! والسؤال المهم هنا: كم وعدت الحكومات، وبالتالي كم أخلفت من وعود؟! كم من الكلام المعلن المعسول بني على معطيات حقيقية، وكم منه تم تقديمه لغايات تسجيل مواقف إعلامية فقط، بحيث لا يكاد يمضي وقت إطلاق الوعود حتى تفقد بريقها وقيمتها، وينفضح أمرها؟!

أجزم بعدم وجود سوء نية لدى مسؤولينا؛ إذ يقع كثير منهم أسرى إغراء المايكروفون والكاميرا، فينطلقون بكلام يستهدف الشعبية، عبر وعود بعيدة عن الواقع، ومن دون إدراك أنها ستؤدي سريعاً إلى توليد خذلان جديد وفقدان أمل أكبر.

هذه الممارسات لا تتبرأ منها أي حكومة، وطالما كان حديث الحكومات خاليا من الموضوعية والواقعية. والدليل الأحدث على ذلك أنه لو تحققت تعهدات المسؤولين الواردة في الفيديو موضع التندر ولربما الغضب الحاليان، لكان لدينا واقع اقتصادي مختلف، ولتمكّنا من تخفيض نسب الظاهرتين الأخطر؛ الفقر والبطالة.

رغم كل ما سبق، يظل ثمة جانب إيجابي وحيد ربما في “أمنيات” المسؤولين التي أطلقوها وعوداً، وهو المتمثل في إدراكهم لأهمية الاستثمار. ولذلك تجدهم يتسابقون في الإعلان عنه، من دون أن ينفي هذا البعد الكارثي لذلك، والناتج عن جهل بعض المسؤولين بمخاطر رفع سقف التوقعات مقارنة بواقع لا يحمل منجزات يستشعرها الناس.

بصراحة، ما يحتاجه المجتمع هو مصارحة بالحقيقة أساساً، تُبنى عليها وعود واقعية مدعومة بعمل جدي يلمس الناس نتائجه مشاريع فعلية، وليس أبراجاً متعطلة مثلاً، كتلك المنصوبة على الدوار السادس كشاهد على فشل الحكومات! وبعبارة أخرى، يريد الأردنيون تصريحات عقلانية موضوعية تتضمن تعهدات ووعوداً قابلة للترجمة على الأرض، وليس كلاشيهات صحفية تعرف الحكومات أنها ستُحاسب عليها، إن عاجلاً أم آجلا.

وعلى مدى خبرتي الصحفية التي تمتد لأكثر من خمسة عشر عاما، أستطيع القول إنه لو أوفت الحكومات بوعودها، لكنا بداهة في واقع أفضل بكثير مما هي الحال الآن.

الفيديو المذكور فضيحة تكشف عيب الوعود الزائفة، وانعكاس ذلك على المزاج العام. لكن الأمل أن يكون في الوقت ذاته جرس إنذار لمزيد من الحذر والواقعية.

جمانة غنيمات – الغد