القـفـز عن كلام الملك
د مراد الكلالدة

2013 02 12
2013 02 12

لقد إرتجل الملك عبد الله الثاني خطبة العرش لإفتتاح الدورة غير العادية للمجلس السابع عشر وقال كلاماً يمكن وصفه بالتاريخي الذي حدد ملامح الفترة المقبلة، وسأركز كمخطِط على ما قد أراه النقطة الأهم في خطاب جلالته وهي الدعوة إلى الأخذ بمبدأ اللامركزية التي دعى إليها مراراً بدون أن تلقى تجاوباً حقيقياً من الحكومات المتعاقبة فما الذي يدعونا نحن معشر المخططين إلى تأييد الفكرة من عدمها. إن التخطيط كان وما يزال عملية مستمرة منذ الأزل إلا انه قد اخذ شكله الحالي كعِلم مُنظم  بعد الثورة الصناعية واختراع الآلة البخارية. ويمكن تحديد مفهوم التخطيط الإنساني، الفردي والجماعي والمؤسسي، على أنه نشاط ذهني مقصود يهدف لتحقيق حاجة جسدية أو روحية آنية أو مستقبلية لفرد أو لمجموعة من الأفراد خلال فترة زمنية محددة وبكلفة معينة. بما أن التخطيط عملية مركبة تضم في جنباتها العديد من القضايا للوصول إلى هدف أو مجموعة من الأهداف من خلال منهجية محددة، فان هذه العملية تحتاج إلى وجود جهات تعنى بالإعداد والتنفيذ والمراقبة والتقييم. وتشكل الدولة إطارا يضم مجموعة هيئات رسمية وأهلية تمثل في نهاية المطاف مصالح الأفراد في المجتمع. وقد تتبع الدولة نظاما مركزيا أو لامركزيا في التخطيط وفقا للسياسات المتبعة فيها وحسب طبيعة نظامها السياسي والظروف المحيطة بها. لقد شكل التنازع على الموارد والسلطة بين البشر دافعا لاعادة تقسيم الجغرافيا الطبيعية الى جغرافيا سياسية، وأخذ التنازع على المصالح اوجه في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث أعيد رسم خريطة العالم وتوزعت المناطق على مراكز النفوذ الكبرى. ولربما توصل الإنسان وبعد تجارب مريرة من الاقتتال إلى حقيقة وجوب القبول بالآخر وفرضت المجتمعات المتشابهة حقائق على الأرض تتعلق بوجوب إدارة نفسها بنفسها وبأقل قدر ممكن من المركزية والإلحاق. إلا أن المجتمعات الإنسانية ما زالت تتنقل بين النهج المركزي أو اللامركزي في الادارة والتخطيط. ويلاحظ أن المركزية في الدولة أصبحت تنحصر في مجالات محددة، كونها أصبحت جزءا من منظومة أكبر وتخضع للقوانين العامة التي تصوغها التكتلات الأكبر. وخير مثال على ذلك ما يجري في إطار الاتحاد الأوروبي أو في الولايات المتحدة الامريكية، حيث نجد أن هناك العديد من الدول أو الولايات التي تحكم في نطاقها المكاني ضمن حدودها بسيادة، إلا أن هذه السيادة تصبح نسبية عند تبعيتها لمجموعة أوسع من القوانين التي جرى تحديدها ضمن الاطار الاتحادي. ويفسر الشرح السابق السبب في عدم وجود حكم مطلق في المركزية، بمعنى انه ليس بالإمكان القول أن هذه الدولة تتبع النظام المركزي أو اللامركزي بالمطلق. فقد توافقه في جوانب معينة وتخالفه في جوانب أخرى، ولهذا السبب فانه يمكن التفريق بين المركزية السياسية والمركزية الإدارية والمركزية الاقتصادية. ففي اطار المركزية السياسية، فاننا نجد أن الدستور الأردني ينص على أن المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية ذات سيادة وعلى أن الشعب الأردني هو جزء من الأمة العربية وان نظام الحكم فيها برلماني وملكي وراثي. ويرأس جلالة الملك الدولة وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة. ويمارس جلالة الملك سلطاته التنفيذية من خلال رئيس ومجلس الوزراء (السلطة التنفيذية) الذي يكون مسؤولا أمام مجلس الأمة بشقيه الأعيان والنواب الذين يمثلون سلطة منفصلة ذات سيادة هي السلطة التشريعية. أما القضاء فيتمتع حسب الدستور الأردني باستقلالية تمكنه من لعب دور حيادي كدار للعدالة وملجأ للتقاضي. ويلاحظ مما سبق أن الملكية في الأردن دستورية وهي إحدى أشكال النظام السياسي المركزي. ونجد في دول أخرى أشكال أخرى تختلف فيها درجات تداول السلطة عن طريق الانتخاب أو التعيين. إلا أن جميع هذه الأنواع تتشابهه في كونها تحصر السلطة السياسية بجهة أو جهات محددة وبدرجات متفاوتة حيث يمكن قياس شدة المركزية أو ليبراليتها عن طريق هيكلية المؤسسات الإدارية التابعة لها والصلاحيات الممنوحة لها. وما يهمنا في هذا الاطار هو تأثر التخطيط بالنظام السياسي السائد في الدولة، فنلاحظ أن هناك علاقة مباشرة بين طرفي المعادلة حيث يمكن القول بأن درجة المرونة في إعداد وتنفيذ الخطط تتتناسب بشكل عكسي مع مركزية النظام السياسي، بمعنى انه كلما زادت درجة مركزية النظام السياسي، قلت المرونة في إعداد وتنفيذ الخطط. وبالمختصر المفيد، فإن دعوة جلالة الملك للتفكير باللامركزية قد تحمل في طياتها الرغبة في التفكير بالبرلمان اللامركزي بحيث يكون فيه نواب الأقاليم أقرب إلى هموم الناس المطلبية على أن يتفرغ البرلمان المركزي للرقابة والتشريع. وهذه أفكار ثورية تستحق البحث والتمحيص وتحتاج لإجراء تعديلات دستورية تغير من هيكلية الدولة الأردنية لتنعكس على درجة المركزية الإدارية  ونوعها بحيث ينعكس ذلك على الوزارات المركزية وعلاقتها بالمدراء في المحافظات مثل مدير الأشغال والصحة وخلافه. ويلاحظ أن للعاصمة دور كبير في مثل هذا النظام، بينما تلعب مراكز الأقاليم والمحافظات دورا أقل ومن ثم البلديات. ويمكن التفريق بين نوعين من المركزية الإدارية هما المركزية المطلقة والمركزية النسبية، حيث تقترب الأخيرة من النظام اللامركزي وفقا لإتساع هامش الصلاحيات الممنوحة لها من المركز. ومن فهمنا للرغبة الملكية بإتباع اللامركزية الإدارية فأننا نقترح ما يلي: 1.    إعادة الهيكلة التنظيمة للدولة من التنظيم الحالي (سلطات مركزية ثلاث- محافظات- مدراء ممثلين لوزارات السلطة التنفيذية في المحافظات- بلديات) إلى (سلطات مركزية ثلاث- سلطات أقاليم- بلديات) بحيث تلغى المحافظة كتنظيم إداري وتعطى البلديات ثقل أكبر في التنظيم الإداري الجديد. ويقصد بالسلطات المركزية الثلاث كل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية بحيث تتوزع فروعها إلى الأقليم فالبلدية. مثال: أن يكون هناك محاكم في الأقاليم والبلديات وهو ما يعرف بالنظام اللامركزي أو الحكم المحلي Local Governance. 2.    تقسم أراضي المملكة لأغراض تخطيطية إلى عدة أقاليم وبما ينسجم مع التقسيم الجغرافي والمناخي الطولي للأردن (الأغوار- المرتفعات الشرقية- الصحراء) بحيث تتشابهه الصفات بما يسهل وضع الخطط التنموية، وهذه الأقاليم المقترحة هي: أولا:     إقليم الأراضي المنخفضة أو الأغوار. ثانياً:     إقليم العاصمة. ثالثاً:     إقليم المرتفعات الشرقية. رابعاً:     إقليم الأراضي الصحراوية. خامساً: إقليم المثلث الذهبي الذي يضم منطقة العقبة الإقتصادية الخاصة ومحميات البتراء ووادي رم الطبيعية. 3.    تعديل المادة الخامسة من قانون البلديات لسنة 2011 بحصرها على بلديات الفئة الأولى والثانية، بمعنى انه لا يحق لبلديات الفئتين الثالثة والرابعة بالمطالبة بالانفصال عن البلدية الأم إلا عند تحقق شرط زيادة عدد السكان لإستيفاء التعريف المحدد ببلديات الفئة الثانية والأولى. 4.    إعادة هيكلية المؤسسات والدوائر الحكومية الواقعة داخل الإقليم  لتتبع سلطة الإقليم إداريا وماليا بدلا من ربطها بالمديريات التابعة للوزارات في المركز. مثال: أن يكون مدير صحة الكرك تابعا لسلطة الإقليم (حكومة الإقليم وبرلمان الإقليم وقضاء الإقليم) بدلا من أن يرتبط بوزارة الصحة مباشرة. 5.    إلغاء هيئة المناطق التنموية وإيكال مهمة التنمية لسلطة الإقليم والبلديات  بحيث تكون الإقاليم وحدات تنموية تركز على ظروفها الخاصة وتخطط وتوزع مواردها المالية وتكون مسؤولة عن نجاح وإخفاق خططها وعملها أمام المجتمع المحلي وأمام الحكومة المركزية. 6.    يتكون إقليم العاصمة من أمانة عمّان الكبرى ويكون هذا الإقليم مركز الأقاليم وتتواجد فيه السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية المركزية للدولة. 7.    تخصص موارد مالية للأقاليم ضمن الموازنة العامة السنوية للدولة بما لا يقل عن 10% من الموازنة العامة لكل إقليم، وبالمقابل تحول الأقاليم 25% من مجمل إيراداتها إلى الخزينة العامة للدولة. 8.    يُحذر على أي مؤسسة أخرى في الدولة كالديوان الملكي العامر تنفيذ أية مشاريع تنموية أو خدمية بشكل مباشر لما في ذلك من حصر للتخطيط والتنفيذ بالحكومة صاحبة الولاية العامة وحكومات الأقاليم اللامركزية. وبالمناسبة هيكلة الدولة المقترحة هذه مشابهه لهيكلة النمسا الاتحادية وهي حالة مشابهة للاردن من حيث المساحة وعدد السكان ومحدودية الموارد الطبيعية. أما في موضوع المركزية الاقتصادي،  فصحيح أن الاقتصاد هو محرك العملية التنموية في جميع أشكال الأنظمة السياسية والإدارية، مركزية كانت أو لامركزية، إلا أن الاقتصاد يبقى حبيس تلك القيود التي تفرضها او تقلل من وطأتها المركزية او اللامركزية في التخطيط. وانه لمن الإنصاف بمكان أن نذكر أن الاقتصاد يشكل المساحة الواسعة ما بين القوانين والناس على إعتبار أنه الأداة التي تقاس بها إنعكاسات التنمية على الفرد والمجتمع. ومن الضروري التنويه إلى أن التوجه نحو اقتصاد السوق في كثير من بلدان العالم قلل من الدور المركزي للتخطيط الاقتصادي، ويجب الإستمرار في التأكيد على الدور الريادي الذي يلعبه القطاع الخاص في التنمية، ووجوب ترك مساحة كافية له للمناورة حسب آليات السوق. كما أن الدور الريادي المنشود للقطاع الخاص في اطار الدولة سيتجاوز الدولة إلى ما هو أبعد من ذلك، لتشكل مجموعات الاقتصاد الحر مراكز قوى راسخة الموطيء على المستوى المحلي والوطني تتبع بطريقة أو أخرى لشبكة أوسع على المستوى العالمي، وستكون البرلمانات الإقليمية والبرلمان المركزي هي ضوابط المعايرة Calibration التي تضمن مصالح المستثمرين والشغيلة. إن خطاب العرش أصبح من خلفنا والعمل بموجبه من أمامنا وهو مرتبط بمقدرتنا على الإنعتاق من أصفاد الحرس القديم والذي ما زال يُحكم السيطرة على مقاليد الحكم والبدء بثورة بيضاء تخرجنا من واقع الحال الذي لا يمكن أن يستمر لأن السلطة التشريعية لن تكون قادره على حمل عبء المناطق والتشريع والمسائلة في آن واحد، ولأن السلطة القضائية مُكبلة بقوانين تحد من إحقاق العدل بين الناس ولأن السلطة التنفيذية أهلكتها الهيئات المستقلة الموقوننة وتاهت في سراديب مراكز القوى وأن قوى الأمن العام والدرك إستنزَفت الموارد المالية والبشرية لضمان إستدامة السلم الأهلي. لقد فهمنا من خطاب العرش بأن جلالة الملك يرغب في إحداث تغيير تدريجي في شكل النظام السياسي الأردني بالتخلي التدريجي عن المركزية السياسية والإدارية لصالح اللامركزية وهذا ينسجم مع مطالب الإصلاحيين مما يحقق المطلب الأساسي الداعي إلى أن الشعب مصدر السلطات … فلا داعي للقفز عن كلام الملك من قبل الحرس القديم أو من قبل التكفيريين لأنه وببساطة شديدة، ثورة بيضاء، تحقق الملكية الدستورية التي ينادي بها الشعب وحينها نستطيع القول بأن الأردن قد تجاوز خريف السلطة المركزية إلى ربيع السلطة اللامركزية. د. مراد الكلالدة/ رئيس المنتدى الأردني للتخطيط