القوى الظلامية ومشروع الدولة المدنية – جمال ايوب

2014 06 12
2014 06 12

58808_409754405790627_377336112_n-1يثير تصاعد موجات من العنف في العديد من المدن العراقية، الكثير من الاسئلة، مثلما يستدعي العديد من القراءات، لاسيما مع اقترانها بتشكيل ملامح الدولة في مرحلة مابعد الانتخابات التشريعية، وطبيعة رسم الخارطة السياسية الجديدة، وآفاق انجاز كابينة جديدة للحكومة العراقية، على وفق التجاذبات والتقاطعات السياسية حول امكانية اعادة تكليف السيد نوري المالكي بولاية ثالثة لرئاسة الوزراء، وعلى وفق مايحدث في الواقع العربي والاقليمي، بدءا من حساسية البعض ازاء التجربة العراقية، وانتهاء بالمعطيات العسكرية الحادثة على الارض السورية، وامكانية حسم الملف النووي الايراني، واعادة تفعيل العلاقات الايرانية السعودية. كل هذا قد يحمل معه اسباب تضخيم اصطناع وقائع امنية في هذه المدينة او تلك، وإحداث خروقات يمكن ان تلقي بظلالها على اعادة ترتيب المشهد العراقي، وبما يثير حفيظة البعض ممن يطالبون بنوع من (الفيدرالية) المناطقية، او حتى الطائفية، اذ تتحول المطالب المشروعة الى فروض ذات بعد سياسي وطائفي قد يهدد الوحدة المجتمعية، ويعرّض العراق التاريخي الى التفكك، وبالتالي فتح الباب على حروب اهلية وجغرافية وسياسية وطائفية من الصعب السيطرة على تداعياتها، ومن الصعب ايضا منعها من ان تتحول الى مشكلة اقليمية او حتى دولية. الرهان اذن على التاريخ، وعلى قوة الدولة، وعلى قوة مؤسساتها الديمقراطية في التعاطي مع هذه الملفات دستوريا، فضلا عن القدرة العسكرية والامنية في التصدي لمثل هذه النوايا، او ما يمكن تسميتها بـ (الخطايا الكبرى) اذ سيضع هذا الرهان جميع القوى الوطنية امام مسؤولية اخلاقية وشرعية وتاريخية، للتصدي والحماية، ولمواجهة القوى الظلامية التي تسعى الى تدمير مشروع الدولة المدنية، والبنية الحقوقية، وقيم التعددية، وباتجاه اعادة انتاج مركزيات عصابية اكثر قمعا واكثر رعبا. ما يحدث اليوم في مدن سامراء والموصل والفلوجة وطوز خرماتو وبعقوبة يكشف عن خطورة هذا المخطط، وعن علاقته بأجندات خارجية، تسعى الى فرض شكل (الوقائع السورية) على الحالة العراقية، وتحت يافطات شتى، بدءا من اليافطة الطائفية الى اليافطة السياسية، وانتهاء باليافطة الحقوقية، اي حقوق بعض المدن ذات المكونات المعينة، اذ ستكون هذه اليافطات مدخلا تبريريا لارباك العملية السياسية، وفرض الرعب الامني للجماعات الارهابية على مناطق بعينها، لتكون نقطة انطلاق لاثارة حرب اهلية، او الدعوة للمطالبة بأقلمة المدن وإعادة انتاج الخارطة الديموغرافية على وفق حسابات المكونات.

الحرب لا تقف هنا

هذا التصعيد المثير للاستغراب عند البعض، يرتبط بطبيعة المأزق السياسي الذي يصطنع له الكثيرون مطبات ومزالق، وحتى تعقيدات، اذ يبدو فيها المشهد الامني والمشهد الاقتصادي والمشهد الاجتماعي اكثر سخونة، واكثر ضغطا على الجمهور، وبما يجعل الرأي العام العراقي امام مواقف من الصعب السيطرة عليها.. ولعل ماحدث خلال السنة الاخيرة من الدورة التشريعية لمجلس النواب المنتهية ولايته يكشف عن الكثير من هذه الازمات، ومنها ازمة عدم اقرار قانون الموازنة، والذي بدا وكأنه موقف متعمد – من قبل البعض- لايقاف عجلة التنمية، وتعطيل مسار الدولة، واحراج الحكومة عبر تعطيل موازنتها الاستثمارية، واعاقة تنفيذ العديد من مشاريعها. ما يحدث هنا، يشبه الحرب المضادة تماما، لكن هذه الحرب المعلنة بكل ضديتها وعنفها، هل ستقف هنا؟ ام انها ستكون حربا مفتوحة على احتمالات شتى؟. صناعة هذه الحرب المضادة، هي اكثر انواع الحروب رعبا، لأنها تعني ممارسة وظيفة (لص العائلة) هذا اللص الذي تصعب مراقبته، والتشكيك به، اذ سيكون اكثر ايذاء من غيره، لانه يعرف الكثير من أسرار البيت ويوميات العائلة السياسية والاقتصادية والنفسية.

مراثي الفشل السياسي

ثمة من يسعى الى تضخيم الفشل السياسي في ادارة العديد من الملفات، وتحميل طرف معين لوحده كل مايجري، دونما اشارة الى ان الجميع مشاركون في صناعة مراثي الفشل السياسي، اذ ان الجميع مشارك في السلطة التشريعية وفي السلطة التنفيذية، وبمسؤوليات مختلفة لاسيما الملف الامني، رغم ان هذا الملف المعقد يرتبط بمعطيات ووقائع تبدو معروفة للجميع، بدءا من التدخلات الخارجية ونزوع البعض الى التماهي مع هذه التدخلات بشكل او بآخر، وانتهاء بالتجاوز والتشكيك بالمؤسسة العسكرية والامنية الوطنية، والتقليل من شأنها، حدّ ان البعض يتهمها بالطائفية او بمسميات تسيء الى سمعتها والى رمزيتها الوطنية..وحتى موضوع اختيار رئيس وزراء جديد للعراق تحول من سياقه الدستوري الى سياق محفوف بالطوارئ، تلك التي تنطلق من حسابات وحساسيات بعيدة عن استحقاقات الحالة الوطنية، وعن اطر الحوار الديمقراطي الذي ينبغي ان يحتكم للمنطق وللتوصيف الدستوري، اذ دخل هذا الموضوع في متاهة المزايدات السياسية والاعلامية، وصولا الى التشكيك بالخصوصية الوطنية لهذا الاختيار، وهو ماقد يعني وجود ضغوطات سياسية عربية واقليمية، كما قد يكون سببا من اسباب تضخيم الحالة الامنية والمجاهرة بها كتهديد معنوي لفرض حدود معينة على ترسيم الخارطة السياسية لمرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية، وتوجيه رسالة بأن بقاء المالكي في ولاية ثالثة يعني بقاء باب العنف مفتوحا، وابواب التخندقات المضادة ستكون مفتوحة هي الاخرى، دونما مراعاة لقيم الدستور وتطبيقاته، ولمجرى الانتخابات وخيارات الجمهور. ان فرض توصيف معين للفشل السياسي وإلصاقه بجهة دون اخرى يجانب الحقيقة، لان الجميع مشتركون في صناعة مظاهر هذا(الفشل) وحتى في تعويق اي مسار حقيقي للدولة وتعطيل برامجها، وتشويه صورتها في الخطاب الاعلامي، وربما اضعاف قدرتها على مواجهة الكثير من الملفات الوطنية، على المستوى الامني والمستوى الاقتصادي والخدماتي، وعلى المستوى السياسي بكل استحقاقاته الداخلية والخارجية. ازاء هذا المعطى نتساءل: كيف ستكون قدرة الدولة على تعزيز وجودها القانوني والمهني في ظل هذه التقاطعات؟ وهل ان (المزاج) السياسي للبعض يكفي لتعطيل تداول مفهوم الدولة، والدعوة لتغييرها؟. هذا السؤالان قد يكونان باعثين لاعادة قراءة مفهومي الفشل والنجاح، وقياس مدى قدرة الدولة عبر سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية على انتاج الصورة المعيارية للدولة، رغم ان البعض يشكك اصلا بالعملية السياسية، ويرفض الاقرار بوجودها، ويضع الكثير من الخطوط الحمر على هوية هذه الدولة، تحت يافطة انها(دولة احتلال) او (دولة طائفية) وغيرها من التسميات التي تؤشر بقصدية واضحة على(فشل الدولة). ان تغيير زاوية النظر لهذه الصورة الشائهة، يعني تغيير الكثير من المعطيات التي ترتبط اصلا بوجود الدولة، وبسياستها ومواقفها واجراءاتها، هو ما لايحدث للاسف عند الكثير من الجماعات، او عند الفرقاء السياسيين الذي ينظرون الى الدولة بوصفها سلطة وحاكمية وبيتا للامتيازات، وان عطالة دورها ازاء ملفات ساخنة بعينها يعني حكما مسبقا على وجود الفشل، وعلى الدعوة الى اللجوء الى وسائل اخرى لمواجهة هذا الفشل الافتراضي، بمافيها الدعوة للعنف، وللتخندق الطائفي او خلق البيئات الراعية للعنف والارهاب، والاخطر هو اللجوء الى الاجندات الخارجية لايجاد حزام سياسي وامني ضاغط على حراك الدولة، وعلى تسويق هوية وجودها السياسي والامني في المحيط الاقليمي والدولي.