اللاجئون السوريون وأوروبا

2015 09 15
2015 09 15

تنزيللم أكن أريد التطرق إلى ملف اللجوء الشائك الذي بدأ منذ طرد الفلسطيني عن أرضه نتيجة الاحتلال الاسرائيلي وما تعرّض له من تهجير قسري ممنهج بغية تحقيق التغيير الديموغرافي في فلسطين وجعلها ” دولة اسرائيل ” ليصبح ( حق العودة ) منذ حوالي سبعين عاما القضية الأهم والأخطر التي تقف عائقاً أمام تحقيق السلام بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي .. قلت : لم أكن أود الحديث عن ذلك في هذا الأسبوع لكونه ملفا أشبع أضواء وإشهارا ، إلا أن ما يحدث للسوريين كل لحظة يطغى على أي مشهد آخر .

اليوم يعيش السوري تجربة التهجير نتيجة الحرب الدامية التي بدأت في سورية منذ أربع سنوات وتشتد يوماً بعد يوم دون أي بوادر لحلّ سياسي واضح يعيد شيئاً من الأمان للسوريين الذين يتعرضون يومياً لمختلف أشكال الموت.

قصة موت الطفل إيلان كردي مع عائلته ( والدته وشقيقه ) في البحر في رحلة اللجوء التي لم يُكتب لها النجاح، وانتشار صورته وغزوها للصحف ووسائل الاعلام والقنوات العربية والعالمية ومواقع التواصل الاجتماعي ومنصات السياسيين وقادة الدول ، حملت – ضمن ما حملت – تهويمات طفولة نامت إلى الأبد على شاطئ بعيد ، وروت للدنيا بأسرها كيف هي القسوة ، وماذا يعني الخذلان .

ولأنه كُتب وقيل الكثير عن الطفل إيلان، ولأن تحركاً عالمياً جرى إثرها ، فليس بالإمكان قول المزيد .

أما أن تتكرر هذه الواقعة بطرق أخرى ، فنشاهد تلك الصحفية الهنغارية تقوم بركل أحد اللاجئين السوريين الذي يحمل طفلاً وتوقعهما معا ، ونشاهد كذلك الشرطة المقدونية تضرب بالعصي اللاجئين السوريين المنتظرين على حدودها تحت المطر ، وبينهم امرأة تحمل طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها العام الواحد ، كل هذا وغيره يثير فينا مشاعر الإحساس بالظلم والقهر ، وبالطبع القلق على واقع ومستقبل اللاجئ السوري، ويدفعنا واجبنا الإنساني والاخلاقي للتذكير في كل مناسبة بضرورة احترام اللاجئ وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٥١ وبروتوكول عام ١٩٦٧ الخاصين بوضع اللاجئين ، واللذين وقعت عليهما معظم الدول التي تتخاذل اليوم عن أداء واجبها في احتضان ومساعدة واحتواء هؤلاء اللاجئين والحد من انتشار شبكات ومافيا التهريب التي أدت إلى وقوع حوادث غرق لكثيرمن قوارب الموت .

ولعلَّ ألمانيا هي أكثر الدول الأوروبية التي شرّعت أبوابها أمام اللاجئين السوريين وسط تحفظ أغلب شركائها الأوروبيين وتحذيرات بعضهم من تداعيات هذه الموجة الكبيرة والقاسية على مستقبل القارة.

وبغض النظر عن الآراء التي تتحدث عن أهداف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في استقبال هؤلاء اللاجئين ، وما قيل عن محاولة ضخ دماء جديدة في مجتمع يعاني من شيخوخة مزمنة لم تفلح إجراءات الحكومة في الحد منها بتشجيع النسل ورفع معدلات الولادة ، وأنها – أي ألمانيا – بحاجة في السنوات المقبلة إلى مليون ونصف المليون من الأيدي العاملة للمحافظة على وتيرة اقتصادها المرتفعة حيث تعد الأقوى اقتصادياً في أوروبا، فإنها – بحسب تقديري الشخصي – لو أرادت ذلك فعلاً لاكتفت بفتح باب الهجرة أمام حملة المؤهلات والكفاءات حصراً .

لطالما اتهمت ألمانيا بالتعصب والتمييز العرقي بناءً على واقعة ” محرقة اليهود” في العهد النازي حيث وصمت لسنين طويلة بهذه التهم ، وقد جاء اليوم ليعترف العالم أجمع بأنها أكثر البلاد احتراماً للقانون والإنسانية، وها هي تتخذ المسار الإيجابي الصحيح بنبذ التوجهات المتطرفة التي يمثلها اليمين المتعصب في ألمانيا ذاتها وفي عموم أوروبا ، وبدء حقبة جديدة قائمة على التعاطف والاحترام الإنساني ، حتى لو أعلنت المانيا بأنه ليس بالإمكان استيعاب المزيد في بعض مدنها ، وهذا من حقها بدون جدال .

ستظل مشاهد تدفق اللاجئين السوريين محفورة في ذاكرة الزمان والمكان ، لتلخص للإنسانية ولعقود آتية ، كيف أن شعبا بأكمله يتم ذبحه في وضح النهار ، وها هو يدخل عامه الخامس في نزيف مستمر ، وليس هذا فقط ، بل إن هناك من يرش الملح في شقوق جراحه ، عسفا وضربا وامتهانا .

ولا قوة إلا بالله .

د. فطين البداد