المال السياسي ونزاهة الانتخابات النيابية القادمة

2012 11 13
2012 11 13

تمثل الانتخابات البرلمانية المقبلة أهمية كبيرة للأردن لما لها من تأثير ايجابي على مجريات حياتهم اليومية والمعيشية، وصولا الى إرساء دعائم النظام الديمقراطي، وتطوير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتخلص من آثار عيب وقع في انتخابات سابقة. وفي ظل حديث متواتر عن وجود صفقات انتخابية يقوم بها البعض من خلال عمليات شراء الذمم وتحويلها الى سلع قابلة للشراء، يكون المال السياسي قد بدأ يطل برأسه الامر الذي يمكن ان يضع نزاهة الانتخابات على المحك، فيما يراهن اصحاب هذا (الكار) الذين لا يؤتمنون على التشريع والرقابة على عوز الناس وحاجاتهم المعيشية. وفيما تتحدث أوساط شعبية عن حجز بطاقات انتخابية وشراء وبيع للأصوات، فإن الامر بات يستدعي وقف زحف هذه الظاهرة، وايقاع العقوبات التي تنص عليها القوانين والتشريعات الناظمة للحياة الديمقراطية على اصحاب المال السياسي الاسود الذي يزحف بالخفاء، واضعا اجنداته الخاصة على حساب امن الوطن وثقة المواطن بمؤسساته الوطنية والدستورية. ويرى مراقبون أنه اذا ما تواصلت عمليات شراء الاصوات من قبل الفئات الانتهازية المحدودة، فقد نصل الى طريق مسدود في الاصلاح، وتفاقم الحالة الشعبية واستسلامها للإحباط واليأس، اضافة الى تحطيم الحلم السياسي وانعدام الثقة بالمستقبل. واذا كان السؤال في كل مرحلة عن قدرة السلطة التنفيذية على وضع حد للعبث بالانتخابات، خصوصا بعد التزام الارادة السياسية العليا بنزاهة الانتخابات المفصلية المقبلة، فإن السؤال المطروح اليوم هو مدى التزام جميع الاطراف، مرشحين وناخبين بالنزاهة. ويعتبر خبراء ومراقبون للعملية الانتخابية، المال السياسي وشراء ذمم المعوزين من المواطنين والغائبين عن الشأن السياسي، السرطان الثاني بعد التزوير المفسد الرئيس للعملية الانتخابية والذي يقدم الخبيث على الطيب، ويجعله يحتل كرسيا في مجلس ينبغي ان يكون نافعا ليس فقط للمواطنين، وإنما لعملية الاصلاح والتنمية بشموليتها. وبحسب آرائهم التي رصدتها وكالة الانباء الاردنية (بترا)، فإنهم يرون أنه مهما وضعت نصوص قانونية، فلن تستطيع القضاء على هذه الظاهرة التي يجمع كل الاردنيين على ضرورة نبذها. الناطق الرسمي باسم الهيئة المستقلة للانتخاب حسين بني هاني يقول “لا يخفي على أحد الآن ان شراء الاصوات والذمم يشكل مخالفة كبيرة لقانون الانتخاب”، مستدركا بالقول “ورغم ذلك الا ان الهيئة تعول بصورة اكبر من النص القانوني على المواطن، ووعيه وادراكه لخطورة هذا الامر، كما تعول على وسائل الاعلام في اظهار مدى الدمار الذي يخلفه ذلك على مسار الاصلاح والتنمية وحتى على العملية الديمقراطية برمتها”. ويبين بني هاني ان آذان كل القائمين على الهيئة واذهانهم منفتحة على اي شكوى أو تنبيه من أي مواطن يقدم معلومة مسندة ومدعمة حول عمليات بيع وشراء وسمسرة اصوات قد تؤثر على مسار عملية الانتخابات في اي بقعة في المملكة، لتقوم بواجبها في ملاحقته، ولاسيما ان القانون أعطاها صفة الضابطة العدلية. ويقول بني هاني ان الهيئة لغاية الآن لم تتلق أي شكوى مدعمة بالأدلة عن وجود عمليات لشراء اصوات او أي حالة تشكل مخالفة للقانون، الا انه لم ينكر ان هناك احاديث واقاويل تصدر من هنا او هناك لكن لم يتقدم احد بشكوى رسمية بشأنها لتتمكن الهيئة من احالة الامر الى القضاء وفق اثباتات تؤكد وجود مخالفة قانونية، محذرا من الاستهانة بموضوع منح ولو صوت واحد بالمال، لتأثيره في دفع من لا يستحق ليتبوأ مقعدا في مجلس النواب عبر ماله وليس عبر قاعدته الشعبية وبرنامجه الانتخابي. ويشير الى ان استغلال الناس وحاجاتهم يشكل التفافا على مصالحهم الحقيقية، ويرسم صورة غير حميدة، وعلى المواطن ان يشكك في نية وأهلية من يقدم مالا او هدايا عشية الانتخابات، سواء أكان فردا ام جماعة أم حزبا، واصفا ذلك بنوع من الاحتيال والالتفاف على أحكام القانون. ويوضح بني هاني صعوبة اكتشاف المال السياسي لأنه يجري خلف الكواليس، ما يجعل من المعلومة التي يتم تلقيها من المواطن بمنتهى الأهمية لمن عرض عليه مالا سياسيا، مذكرا بأهمية الإثبات بالأدلة القاطعة لمثل هذه الوقائع. من جهته يقول منسق التحالف المدني (راصد) عامر بني عامر إن موضوع المال السياسي يعتبر أحد الاعمدة الرئيسية في عمل (راصد) المتخصصة في رصد العملية الانتخابية برمتها، عبر 450 مراقبا يعملون تحت مظلة التحالف، بالإضافة الى قضايا اخرى خاصة بالعملية، مشيرا الى أن تقارير يومية واسبوعية وحسب الحاجة ستصدر من التحالف حول العملية. ويشير بني عامر الى ان هناك تواصلا كبيرا ومستمرا مع الاعلاميين ووسائل الاعلام الوطنية لمكافحة الظواهر السلبية، مستشهدا بالظواهر التي طفت في الانتخابات الماضية. ويبين ان التحالف معني بالعمل مع الهيئة المستقلة لتطوير اجراءات يوم الانتخاب، مشيرا الى ان لدى التحالف الخبرة الكافية لرصد الظواهر السلبية للعملية وبشكل خاص محاربة المال السياسي، متطرقا الى أهم اداة من ادوات المال السياسي وهي التصويت الامي، وانه من المآخذ التي تشكل خطرا جسيما على العملية. ويقول بني عامر ان النص القانوني حول التصويت الأمي لا يساعد كثيرا في الحد منه، مبينا اهمية ايجاد تعليمات مدعمة لنص المادة 39 من قانون الانتخاب بحيث يمكن ايجاد حلول ليتمكن الأمي من الإدلاء بصوته من دون الإشهار بصوت مرشحه للانتخاب، موردا 3 طرق مستخدمة دوليا لتحقيق ذلك، ابرزها وضع اشارة أو دائرة على صورة مرشحة للانتخاب دون. ويضيف ان هذه المعضلة ما تزال محل بحث مع الهيئة المستقلة للانتخاب، الا انه لغاية الآن لم يتم التوافق على طريقة للتغلب عليها. وفيما يتعلق فيمن يثبت عليه تصويته أميا وهو ليس بأمي أعرب بني عامر عن اسفه انه لا تتم محاسبة أي احد. وقدر بني عامر تعاون الهيئة المستقلة للانتخاب مع مؤسسات المجتمع المدني ومن بينها (راصد)، الا انه اخذ على عدم امتلاك الهيئة للأدوات الكافية لضبط المخالفين، فرغم ان القانون اعطاها صفة الضابطة العدلية، الا ان الجهات الحكومية في الحكومة السابقة لم تكن متعاونة بالقدر الذي يمكن الهيئة من القيام بواجبها على اكمل وجه. ويضرب بني عامر امثلة على ذلك بموضوع الدعاية الانتخابية، مشيرا الى ان هناك بحسبه العديد من اليافطات الاعلانية المنتشرة في اكثر من مكان لمرشحين، ومن المفترض ان تلتزم كل جهة حكومية بأوامر الهيئة بإزالتها وتغريم صاحبها تطبيقا للنص القانوني، مثل وزارة الاشغال العامة، الا انها ما زالت معلقة، وهناك اشخاص ما يزالون يحتجزون بطاقات انتخابية بالتواطؤ. وفيما اذا كانت الاجهزة الرسمية تتعامل حاليا مع (راصد) على اساس من الاعتبار على خلاف الانتخابات الماضية، يقول بني عامر “اننا موجودون في الانتخابات الحالية بنص قانوني، مشيرا الى ان عملية التسجيل للانتخابات اثبتت حسن نية الجهات المعنية في التعامل مع (راصد) والتقدير لعملها. وحول مصادر التمويل ل (راصد) وبرامجه يقول نتلقى تمويلا من جهات دولية ترتبط مع الاردن باتفاقيات ابرزها المعهد الديمقراطي الاميركي وهو جزء من وكالة الانماء الدولي الاميركية (يو أس أيد) بالإضافة للسفارتين البريطانية والالمانية. عضو المكتب التنفيذي لراصد مدير مركز حماية وحرية الصحفيين الذي يتولى الملف الاعلامي لراصد، الزميل نضال منصور يقول “انه لا توجد حسابات دقيقة لما انفق على الحملات الانتخابية في الدورتين السابقتين 2007 و 2010 الا انه يعتقد ان وجود قائمة وطنية في هذه الدورة سيزيد من حجم الإنفاق”. ويعتقد منصور ان رجال اعمال يعتزمون خوض الانتخابات ضمن هذه القوائم ما يوحي اننا مقبلون على انتخابات سترتفع فيها وتيرة الكلف للحملات الانتخابية، مشيرا الى ان الجدل حول المال السياسي لم يتوقف، لعدة اسباب أولها صعوبة إثباته كجرم، فالناس لا تبلغ عنه، بالإضافة الى عدم وجود نصوص تحدد سقفا للإنفاق على الحملة الانتخابية ولا يلزم المرشح بالإعلان عن أوجه هذا الإنفاق في حملته. ويوضح أن شراء الذمم بالمال يعتبر جريمة بحق الاردن والاردنيين سواء أكان فرديا أم جماعيا، مقدما الالتزام الاخلاقي على القانوني حيال هذا الامر، وراهنا انحسار المال السياسي بالتقدم في الاستقطاب السياسي. من جهته يؤكد الدكتور المحامي غازي الذنيبات أن التأثيرات السلبية والخطيرة للمال السياسي جعلت المشرعين يضعون نصوصا قانونية في سبيل الحد منه، مشيرا الى نص المادة 63 من قانون الانتخاب لعام 2012 والتي تجرم المال السياسي كوسيلة للتأثير على إرادة الناخبين. ويبين ان القانون فرض عقوبة مغلظة على استخدام المال السياسي، وصنف هذه الجريمة ضمن الجنايات المعاقب على مقترفها بالأشغال الشاقة مدة لا تقل عن ثلاثة أعوام ولا تزيد على سبع. كما وسع المشرع وفق الذنيبات من نطاق التجريم، ليشمل كل من أعطى ناخبا مباشرة أو بصورة غير مباشرة أو أقرض أو عرض عليه أو تعهد بأن يعطيه مبلغا من المال، أو منفعة أو أي مقابل آخر من أجل حمله على الاقتراع على وجه خاص، أو الامتناع عن الاقتراع أو للتأثير في غيره للاقتراع.. وجرم القانون كذلك الناخبين ممن قبلوا أن يكونوا في الجهة المقابلة وشملت العقوبة كلا من الشريك أو المتدخل أو المحرض على ارتكاب أي من هذه الجرائم. من جهته يعتبر أمين عام حزب الوسط الاسلامي الدكتور محمد الحاج أن المال السياسي آفة سيئة وطريق لفساد اخلاق الناس ويهدد مسيرة الانتخابات ويفرز اشخاصا لا يستحقون ان يكونوا في مجلس النواب، لقفزهم الى قبة البرلمان عن طريق غير اخلاقي وغير مشروع، مؤكدا ان الاصل في اختيار النائب المرشح هو الامانة والصدق، مستشهدا بالآية الكريمة (ان خير من استأجرت القوي الامين). ويشير الحاج الى ان الفئة التي تستخدم المال السياسي هم اشخاص محدودون اصبحوا اثرياء بطريقة غير مشروعة ولذلك تراهم يغدقون على المواطنين الاموال لشراء ذممهم مستغلين حاجتهم له، داعيا الهيئة المستقلة للانتخابات بملاحقة كل من يمارس العمل بالمال السياسي لشراء ذمم الناس، وضرورة شن حملة على هؤلاء وتوعية الناس ايضا. وتقول مديرة مدرسة ثانوية وناشطة في العمل الاجتماعي التطوعي ونائب رئيس جمعية الزهور الخيرية للتنمية الاجتماعية لوزة بدحان بخيت، ان ظاهرة شراء الاصوات او ما يعرف بالمال السياسي تتنافى مع جميع المبادئ والقيم الاخلاقية والدينية لأنها تفرز نوابا غير مؤهلين للدفاع عن قضايا الوطن والمواطن. وتضيف ان الظروف السائدة في المنطقة تتطلب الدفع بنواب أقوياء لسدة البرلمان قادرين على التعامل مع هذا الواقع، والقيام بمهامهم التشريعية والرقابية بكفاءة واقتدار. وتساءلت ماذا يمكن لنا أن نتوقع من نائب فاز بماله ولجأ الى شراء ذمم الناس وضمائرهم، وكيف سيكون أداؤه ومستوى خدماته العامة؟ مؤكدة ان هذا النوع من النواب سيسعى جاهدا وبكل تأكيد لتحقيق المكتسبات الذاتية، وسيتسم اداؤه باللامبالاة واللامسؤولية، وكأن لسان حاله يقول انا فزت بمالي وانا لست معنيا بأحد. وتدعو بخيت الناخبين لاختيار النائب وفق معايير الكفاءة والامانة بعيدا عن اعتبارات شراء الذمم، فمن لديه الاستعداد لبيع ضميره سيكون لديه الاستعداد والجاهزية لبيع مقدرات الوطن. ورغم أن شبح المال السياسي لن يغيب بالكامل مهما فعلنا، الا ان الرهان والتحدي والمسؤولية هو على الاردنيين جميعا وعلى اصحاب الشأن وكل من لديه ذرة من المسؤولية وحب الوطن وتمنى رفعته للحد منه.