الملكة تنتصر للغة العربية

2015 08 03
2015 08 03

6482كتبت جلالة الملكة رانيا العبدالله مقالا مهما تحدثت فيه عن أهمية اللغة العربية؛ مُنطلقة من قول قدماء العرب: “ميزان المرء لسانه”، فأكدت جلالتها أهمية التحدث باللغة التي يفكر فيها صاحبها، فاللغة كانت وما زالت انعكاسا للبيئة والواقع الفكري، والثقافي للأفراد والشعوب الناطقة بها.

جاء حديث الملكة رانيا بمناسبة إنطلاقة النسخة العربية من موقع هافنغتون، إذ كتبت الملكة افتتاحيتها، ويُؤمل أن تكون هذه النسخة إضافة نوعية للمحتوى العربي الإلكتروني بما ستضفي على الصحيفة من فكر عربي، فاللغة ليست وعاءً فارغاً، أو مجرد أداة لنقل الفكر، بل هي ما يحدد الفكر أو يفتح آفاقه.

يدور الحديث منذ سنوات على حجم المحتوى الرقمي باللغة العربية، ومستواه، وآليات تعزيزه، وتكاد الآراء تُجمع على أن هذا المحتوى لا يرقى إلى مستوى طموحاتنا كما ونوعا، تشهد الأرقام على هذا، وتؤكده الدراسات والإحصاءات، إضافة إلى ما نلمسه بأنفسنا كل يوم.

فمع أن اللغة العربية هي خامس أكثر لغات العالم استخداماً من حيث عدد الناطقين بها، ورابع أكثر اللغات العالمية حضورا على الإنترنت، وأربعون بالمئة من سكان الوطن العربي يستخدمون الإنترنت إلا أن تواجدهم عليها قليل للغاية.

لعل أهم أسباب هذا الضعف أن العرب ما زالوا حديثي التواصل بلغتهم عبر الأثير، إضافة إلى عقوق بعض أبناء اللغة العربية للغتهم، فاللغة التي تواصلوا بها، وتعلموا بواسطتها أبجديات الحياة والعلوم والأدب، سرعان ما يستبدلونها باللغة الانجليزية، فالجامعات تعتمدها في مناهجها وتدريسها، وفي الاجتماعات تتحول إلى لغة تواصل وتفاهم بين المجتمعين مع أنهم جميعا عرب، ومعظم البحوث والدراسات والمؤلفات تُنشر بها، وبالتالي، فإن المحتوى الجيد لإنتاج العرب يُدوّن بغير لغتهم، ولا يبقى للعربية إلا القليل، وهذا القليل كثيره في موضوعات قلما تخدم العرب، أو تعكس صورة حضارتهم الإيجابية، بل على النقيض تماما، ربما تصورهم وتخرجهم بصور سلبية، وفي هذا القليل أيضا قد يكمن الفكر الظلامي والتطرف، والدعوة إليهما، وتجنيد الشباب العرب لقتل بعضهم بعضا… ولعل السؤال الذي طرحته الملكة في غاية الخطورة: ماذا تقول لغتنا على الإنترنت عن فكرنا وعن حالنا كعرب؟

والجواب هو الآخر لا يقل خطورة لا سيما في ظل الوضع الراهن للعرب، فكثير من المحتوى الإلكتروني العربي يعكس وللأسف ضيق الأفق، وضآلة المحتوى، وضعف المشاركة في إثراء الفكر الجمعي العالمي الإلكتروني، وضياع الحوار البناء، فيفهم العالم من الضوضاء أننا نرفض الاختلاف، ونضرب عرض الحائط بالرأي الآخر، ولا يفهم قدرتنا على ضبط حوارنا بحيث يكون بناء؛ أو يتعرف على ضميرنا الحي وأخلاقنا الطيبة، وأصالة قيمنا في حين الأغلبية الإيجابية غالبا ما تكون غائبة بلغتها العربية، ومحتواها الرصين الذي يكشف عن حضارتنا، وعمقنا التاريخي.

من هنا ظهرت العديد من المبادرات لتنمية المحتوى العربي الإيجابي على الإنترنت منها : مبادرة الملك عبد الله للمحتوى العربي، وموسوعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العربية للمحتوى الصحي، ، وموقع دار الكتب، وأيام الانترنت العربي، ومنها أيضا مكتبة العرب التي أطلقتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وتتمثل في مكتبة إلكترونية ضخمة تضم كتباً وأعمالاً شعرية، وسيراً ذاتية، ودوريات، ومقالات متاحة مجانا…وجميعها تهدف إلى سد الفجوة بين عدد متحدثي العربية وبين توافر المحتوى الرقمي بها.

كما أطلقت جوائز تشجيعية لهذه الغاية أيضا منها: الجائزة العربية للمحتوى الإلكتروني التي أطلقتها مملكة البحرين، وتهدف إلى تشجيع الحكومات والمؤسسات والأفراد على تقديم محتوى عربي متميز باللغة العربية. دعت الملكة إلى مزيد من المواقع الناطقة بالعربية؛ لنضخ في الشبكة العنكبوتية العلوم النافعة؛ فتاريخنا ومستقبل الأجيال القادمة لهما حق علينا لكي ننشر غنى تراثنا وحضارتنا.

فهل تجد دعوة الملكة آذانا صاغية، فنوقف الاستعلاء على لغتنا، ونفك أسرها؛ لتنطلق من جديد، فتكشف عن جواهرها علما، وشعرا، وأدبا، وحوارا؟ وهل نرجع نكتب بالعربية، ونتحدث بها، فنعيد لها ألقها من جديد، وتعود اللغة العربية سيدة عند أصحابها يفخرون بها، ويستخدمونها في جامعاتهم، واجتماعاتهم ومجالسهم، وتربية نشئهم.ومشاركتهم بالمحتوى الإلكتروني العالمي المثمر؟

أ.د.أمل نصير